‏إظهار الرسائل ذات التسميات روجر إيبرت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روجر إيبرت. إظهار كافة الرسائل
| 0 comments ]

American Beauty

يمكن أن ننظر للجمال الأمريكي ”American Beauty“ باعتباره كوميديًّا لأننا نضحك على عبثِيَّة مشاكل البطل، ويمكن أن ننظر له باعتباره مأساويًّا لأننا نرى أنفسنا في إخفاقاته، ولا أعني التفاصيل الدقيقة لتلك الإخفاقات، بل أعني الصورة العامة.

يدور الفيلم حول رَجُلٍ يخشى التقدُّم في السن، وفقدان الأمل في العثور على الحب الحقيقي، وألّا ينال الاحترام من المقرّبون إليه. لولم تختبر تلك المشاعر من قبل، فأنصحك أن تعلن عن نفسك في الجرائد. سيود الناس أن ينهلوا من بحر عِلمَك بالتأكيد.

ليستر بيرنهام، بطل ”الجَمال الأمريكي“ الذي أدّى دوره (كيڨين سبيسي)، هو رجلٍ تكرهه ابنته وتتجاهله زوجته، ولا أهميَّة له في عمله. يخبرنا في أوَّل ماينطق به الفيلم تقريبًا: «سوف ألقى حتفي خِلال عام، وقد لقيته بالفعل، بطريقةٍ ما». الفيلم يحكي قصة تمرُّده. 

نلتقي زوجته كارولين (آنيت بيننج)، وهي امرأة مثاليَّة للغاية لدرجة أن لون مِقبض المقص الذي تستخدمه لتشذيب الحدائق يتناسق مع لون الخُفَّين اللذين تنتعلهما أثناء التشذيب. نلتقي ابنته چين (ثورا بيرتش)، التي تدَّخِر من أجل إجراء عمليَّة تكبير الثَدي، رغم أن التكبير غير ضروري على نحوٍ واضح. ربما ليس دافعها أن تصبح أكثر جاذبيَّة للرِجال، وإنما أن تشعرهم بالحرمان أمام شيء لا يمكنهم نيله.

يندب ليستر حظَّه قائلًا: «تعتقد كلٌ من زوجتي وابنتي أنني فاشلٌ مُزمِن». وهو على حق، لكن اعتقادهما هذا لا يأتي من فراغ. في عشاءٍ أسري مأساوي تقوم كارولين بتشغيل موسيقى كلاسيكيَّة تهزأ بكل لقمة، وفي حين أن الموسيقى خصبة وتبعث على الإطمئنان، تجلس الأسرة في غضب وصمت، وعندما ينتقد ليستر سلوك ابنته، تشير بشكلٍ واضح إلى أنه نادرًا ماتحدَّث معها في الشهور الأخيرة. 

تنقلب حياة ليستر رأسًا على عقب في الليلة التي تصحبه فيها زوجته لرؤية آداء ابنتهما ضمن فريق التشجيع المدرسي. هناك، على الأرض، وسط الاستعراضات الرتيبَة الصاخِبَة، يلمح فتاته المنشودة: أنچيلا (مينا سوڨاري)، زميلة ابنته في المدرسة الثانويَّة. عِند هذه النقطة يبرُز سؤالًا هامًّا: هل من غير الأخلاقي أن يشتهي رجلا أربعينيّ فتاةً في سن المراهقة؟ أي رجلٍ نزيه سيُدرِك مدى صعوبة هذا السؤال، لكن الأمر يتعارض مع الأخلاق والقانون بالتأكيد. غير أن كل النساء تعرف أن الرجال وُلِدوا بأسلاك تخرج من عيونهم إلى أعضائهم الذكرِيَّة مباشرًة، متغاضين بهذا عن كل تفكيرٍ أخلاقي. يمكن أن يستنكِر الرجال أفكارهم تلك، لكنهم لايستطيعون الإحجام عنها.

لا يتمحور الجمال الأمريكي حول عُقدَة اشتهاء المُراهِقَات على أي حال، بل يتمحور حول التوق إلى الصِبا والإحترام والقوة، والجمال بالطبع. إن اللحظة التي يتوقف فيها الرجل عن الحلم، هي اللحظة التي يتقوقع فيها على نفسه وينغمس في خواطر مفعمة بالبذاءة والاستهجان. أفكار ليستر بشأن أنچيلا بذيئة، لكنها ليست مُنحَرِفَة، هو فقط يريد أن يمارس مايجري في دِماء الرِجال جميعًا، مع أجمل امرأة رآها في حياته.

برغم ذلك، لم تكن أنچيلا طريق ليستر للسعادة، لكنها -على الأقل- مثَّلت دافعًا لينال حريته. يتحرر ليستر بفضل أفكاره والسُخْط الذي ولَّدَتهُ نتيجة أعوام من الركود العاطفي. تبعًا لذلك، يقوم بإعلان خبرًا مُبهِجًا على مائدة العشاء الجنائِزيِّة: «لقد استقلت من وظيفتي، وقلت لمُديري أن يذهب لينكح نفسه، وابتززته من أجل الحصول على 60,000 دولار». هل فقد ليستر عقله؟ على الإطلاق، فأول مايشتريه بالمال يعد شيئًا منطقيًا تمامًا: سيارة فاقعة الحُمرَة من طراز بونتياك بيرد 1970.

تمر كلٍ من كارولين وجين بأزماتهما العاطفية الخاصة. يكتشف ليستر خيانة كارولين عندما يراها مع عشيقها أثناء شراءهما الطعام من مطعم للوجبات السريعة (حيث حظى بوظيفة أحلامه)، بينما تسمح جين لريكي (ويس بينتلي) بتصويرها في أوضاع مُخِلَّة. يخضع ريكي لفحص المخدرات على يدي والده (جندي المارين السابق) الذي يأخذ منه عينة بول كل ستة أشهر، بينما يُبقي ريكي الأجواء هادئة حتى يستطيع مغادرة المنزل.

كل تلك الأزمات العاطفية تجتمع معًا خلال ليلة عاصفة ومظلمة، حيث تقع سلسلة من سوء الفهم جديرة بالإنتماء لأفلام السكروبول كوميدي [سينما الحماقات والتهريج] لشدة غرابتها. وفي النهاية، وعلى نحوٍ غير متوقع، ينتزع الفيلم النصر من بين فكي الهزيمة لبطله ليستر. ليس ذلك النصر الذي قد تستمدة من أحد الأفلام المُبهِجَة [feel-good movie]، لكنه ذلك النصر الذي تشعر به عندما تثبت شيئًا مهمًا، حتى لو لنفسك فحسب.

لاتنطوي أحداث ”الجَمال الأمريكي“ على الكآبة أو المفاجأة كفيلم ”Happiness“، إنتاج العام الماضي الذي حاول تسليط الضوء على المجتمع الأمريكي المغمور. الجمال الأمريكي يتحدث عن الحُزن والوِحدَة أكثر من القسوة وانعدام الإنسانِيَّة. لا أحد سيء حقًا في هذا الفيلم، لايوجد هنا سوى أشخاص حصرهم المجتمع في أدوار محددة، بحيث صاروا يعجزوا عن أن يكونوا أنفسهم، أو يشعروا بالبهجة.

تراوح آداء الجميع بين السخرية والواقعية البسيطة، خاصًة ثورا بيرتش وويس بينتلي، اللذين كانا يتحدثان بنبرات باردة، متوترة، كما لو كانا طفلين لايطيقا الانتظار حتى يهربا من منزليهما. شخصية بيننج، وكيلة العقارات التي لاتنفك تردد عبارات التنمية البشرية، تخلط السعادة بالنجاح، وهو مايعد سيئًا لو كنت شخصًا ناجحًا، ومُحبِطًا لو لم تكن كذلك.

أمّا عن سبيسي، الممثل الذي تنضح عيناه وصوته بالذكاء، فقد كان الإختيار الصائب لآداء ليستر بيرنهام. لقد ارتكب أفعال حمقاء وطائشة في هذا الفيلم، لكنه لم يكن يخدع نفسه؛ كان يعرف أنه اختار طريق الحرية المطلقة بمحض إرادته، مضحيًا بما تبقى من حياته الفارغة من أجل قطرات قليلة من الحرية. ربما يكون قد خسر كل شيء في نهاية الفيلم، لكنه لم يعد خاسرًا.

روچر إيبرت
ترجمة مصطفى اليماني
» تابع القراءة

| 0 comments ]

Heat 1995
هناك مشهد في منتصف فيلم "Heat" لمخرجه مايكل مان ينير موضوع الفيلم الحقيقي. تدور أحداث الفيلم حول تتبع التحري هانا (ألباتشينو) للص محترف يُدعى ماككولي (روبيرت دي نيرو) لعدة أيام. ماككولي لص ذكي وحذَر ويبدو أنه من المستحيل تتبعه؛ لذا، يُفاجأ ماككولي ذات ليلة بسيارة تطلب منه التوقف على جانب الطريق، ليتضح أنه التحري هانا.

ينتظر ماككولي في سيارته، متأهبًا لإطلاق النار من سلاحه لو لزم الأمر، يقترب منه هانا ويقول «ما رأيك لو دعوتك لكوب من القهوة؟» ويرد ماككولي بأن هذه الفكرة تبدو جيدة.

يجلس الرجلان قبالة بعضهما على طاولة بلاستيكية؛ متوسطي العمر، ضجرين، مع خبرة هائلة في مجاليهما، يعرف كلٍ منهما مايمثله للآخر، لكنهما يشربان القهوة في هذه الهدنة القصيرة.

ماككولي لص محترف، ماهر وموهوب. عندما يوحي كلام هانا بخلاف ذلك، يرد عليه ماككولي «أتراني أسرق متجر كحوليات مع وشم ”وُلِد ليخسر“ على صدري؟» فيؤمن الشرطي على كلامه، هو لايعتقد ذلك. قرب نهاية المحادثة يقول الشرطي «أنا لا أجيد القيام بأي شيء آخر»، فيرد اللص «وأنا كذلك.» يكثف المشهد حقيقة "الحرارة" التي تكمن في أن رجال الشرطة واللصوص بحاجة إلى بعضهم، لقد عزلتهم وظائفهم عن المجتمع، ويتم تعريفهم بما يجيدوا فعله فحسب.

إنهما عدوين، لكنهما أكثر حميمية بطريقٍة ما، بينهما أشياء مشتركة، أكثر ممن يفترض أنهم أصدقائهم -نساؤهم على سبيل المثال.

موضوع الفيلم الآخر هو "المرأة". اثنين من الشخصيات الرئيسية في "Heat" لديهم زوجات، وخلال أحداث الفيلم يقع ماككولي في الحب، الأمر الذي يتعارض مع سياسته. التحري هانا يعمل على زواجه الثالث مع امرأة تُدعى چستيس (ديانا فينورا)، لكنه زواجٌ مرير لأن وظيفته تستحوذ عليه «أنت تعيش بين رفات القتلى»، هكذا تقول له چستيس. المتزوج الآخر هو أحد شركاء ماككولي في العصابة؛ شيرليس (ڤال كيلمر) وزوجته شارلين (آشلي جود).

سياسة ماككولي الخاصة هي ألا يتورط في أي شيء لن يستطيع الفرار منه في غضون 30 ثانية، لكنه يدخل في حديث مع إيدي (أيمي برينيمان) أثناء جلوسه في مطعم، تسأله إيدي الكثير من الأسئلة، فيصدها «سيدتي، لماذا تهتمين كثيرًا بما أفعل؟»، فتجيبه «أنا وحيده»، فيرد «أنا لست وحيدًا»، والحقيقة أنه الرجل الأكثر وحده في العالم، وسرعان مايكتشف أنه بحاجة لها.

هذه تيمة الصراع القديم في أفلام الأكشن الأمريكية، بين الرجل وعمله من جهة، والمرأة المسيطرة من جهة أخرى، المرأة التي تريد ترويضه وإجباره على البقاء في البيت. تعامل الفيلم مع هذه التيمة بعمق وبصيرة قلما نراهما في هذه الأنواع، من خلال سيناريو مايكل مان. الرجال في فيلمه مهووسين بحياتهم. هناك مشهد يحصل فيه اللصوص على كل الأموال التي يحتاجونها، يمكنهم التقاعد، حتى أن ماككولي يملك مكان تقاعده في نيوزيلاندا، لكن تظهر مهمة أخرى ولايمكنهم مقاومتها. هذا مايضمن استمرارية مشاهد الحركة والإثارة بالطبع. يفتتح الفيلم هذه المشاهد بتسلسل رائع لعملية سطو على سيارة مدرعة وتبادل لإطلاق النار، ويواصل الأمر مع سرقة البنك المحكمة.

ماككولي هو العقل المدبر، بينما هانا هو الشخص المكلف بتخمين خطوته التالية.

تضع الشرطة مككولي وعصابته تحت المراقبة على مدار 24 ساعة، ويتبعونهم ذات يوم حتى منطقة مستودع معزول، حيث يقف اللصوص في وسط مساحة واسعة، ويشرح لهم مككولي مخطط ما. بعد ذلك، يقف رجال الشرطة في نفس المكان، محاولين تخمين الخطة التي كان يتناقشها اللصوص، فلا يستطيعون تبين أي شيء، لكن هانا يكتشف الأمر فجأة «أتعلمون إلى أي شيء كانوا ينظرون؟ كانوا ينظرون إلينا، نحن، شرطة لوس أنجليس.» وكان محقًا. في الوقت ذاته كان مككولي يقف فوق سطح، ينظر إليهم من خلال عدسات مكبرة.

دينيرو وألباتشينو. قام الإثنان ببطولة العديد من أفلام الجريمة العظيمة، وقضيا وقت طويل في لعب أدوار الشرطة واللصوص أكتر من الشرطة واللصوص الحقيقيين. هناك حديث دائم عن الممثلين الذين يدرسون شخصيات من الواقع لتدعيم آدائهم. لو قرر باتشينو ودينيرو دراسة شرطي ولص في هذه المرحلة من مسيرتهم الفنية، فمن المحتمل أن اختيارهم قد وقع على دراسة أفلامهما القديمة. في هذا الفيلم، نرى براعة مطلقة، وشعور فطري يشع من أدوارهما.

مايثير الإهتمام هي الكيفية التي حلل بها مان هذه الأدوار مع النساء. بطريقٍة ما، دائمًا مايقف الزوجات والعشيقات عند باب المطبخ في هذا الفيلم، ينادين الأولاد للدخول والكف عن اللعب. زوجة باتشنيو التي قامت بدورها (فينورا) بمرارة ذكية، كانت أكثرهن قسوة. إنها متزوجة من رجل يصحب معه جثث القتلى إلى الفِراش لتؤرقه في أحلامه. ابنتها سكيرة ومتمردة، ولاتحصل منه على أي نوع من الأبوه. زواجهم مزحة، وعندما يضبطها مع رجل آخر، تقول أنه أجبرها على الحط من قدر نفسها.

المرأتان الأخريان (جود وبرينيمان) افتقرتا لبعد النظر. لايزال لديهما بعض الأوهام، رغم أن برينيمان، التي لعبت دور مصممة جرافيك، تعترض كما لو كانت أي امرأة عصرية لتفعل عندما يتوقع منها هذا الرجل الغريب الكتوم أن تترك وظيفتها وحياتها وتتبعه إلى المجهول في نيوزيلاندا.

هذا ليس مجرد فيلم أكشن. الحوار -قبل كل شيء- معقد بمايكفي ليسمح للشخصيات بقول مايفكروا فيه، فجاء حوارهم بليغًا، ثاقبًا، مدهشًا، شاعريًا عندما يتطلب الأمر. أنهم ليسوا مقيدين بالكليشيهات المعتادة. أحد أسوأ القيود في عالمنا أن تكون عاجزًا عن الإفصاح، أن تكون غير قادر على أن تقول لآخر ماتشعر به حقًا. هذه الشخصيات تملك تلك القدرة. وهي قدرة عظيمة، لكنها لن تنقذهم بالطبع.

روجر إيبرت 1995
ترجمة: مصطفى اليماني

*روجر إيبرت واحد من أشهر النقاد السينمائيين، كان يكتب في صحيفة شيكاجو صن تايمز، وله العديد من المؤلفات في مجال النقد السينمائي، وكان يصدر قائمة في نهاية كل عام تحتوي على أهم عشرة أفلام للسنة من وجهة نظره. فاز روجر بجائزة بوليتزر على كتاباته النقدية، ولايزال موقعه على الإنترنت ملجأ لمحبي السينما.

توفى روجر عام 2013، تاركًا وراءه إرثًا هائلًا في مجال النقد السينمائي، وتعتبر قائمة "الأفلام العظيمة" من أهم ماقدمه.
» تابع القراءة

| 0 comments ]

فيمايلي ترجمة لمراجعة الناقد الكبير الراحل (روجر إيبرت) للحلقة الرابعة من سلسلة حرب النجوم وفيلمها الأول "A New Hope"، وهي مراجعة تمثلني بشدة؛ لأنها لمست قلب السلسلة والمشاعر التي أكنها لعالمها. لم يكتفي روجر بإعلان انبهاره بالمؤثرات البصرية التي أحدثت طفره في عصرها بالتأكيد، لكنه عرض بروح عاشق الأسباب التي جعلت حرب النجوم أشبه بدين يعتنقه الناس، وواحد من أهم تلك الأسباب، هي تلك الحياة الغريبة التي سمح لنا (لوكاس) بالإطلاع عليها.

حرب النجوم لايكون "حرب النجوم" بالنسبة لي، بلا مخلوقاته العجيبة، تشوي، جابا ذا هات، ماستر يودا، وكائنات الجليد والصحراء الشبيهة بالجِمال والخيول. ماجعل من هذه الكائنات فريدة لأقصى درجة؛ أنها كانت يدوية الصنع والتحريك، مماجعلها واقعية للغاية. أفلام اليوم تصنع أشياء أكثر دِقة بالطبع، لكنها تفتقد للمسة البشرية، وإحساس المتفرج أنه لو مد يده، سيستطيع أن يخترق الصورة.

بهجة غير عادية تنتابني عند رؤية تلك الكائنات تمشي في الأنحاء؛ كأنك ذهبت لحديقة حيوان حقيقية، غير أرضية. لو كتبت مراجعتي الخاصة، ستحمل روحًا كهذه.

حرب النجوم: أمل جديد (1977)
بقلم: روجر إيبرت

Star Wars: New Hope 1977

أمر أحيانًا عند مشاهدة فيلم بما أعتقد أنه تجربة الخروج من الجسد. عندما يستخدم المؤمنون بالقدرات الفائقة للحواس مصطلحًا كهذا، فهم يشيرون إلى إحساس العقل بمغادرة الجسد حرفيًا والإبحار إلى الصين أو يوريا أو إلى مجرة بعيده، بعيده، لكني عندما أستخدم هذا المصطلح، فأنا أعني ببساطة أن مخيلتي نست فعليًا أنها متواجده في دار العرض واعتقدت أنها هناك على الشاشة، وبمعنى أدق؛ فإن أحداث الفيلم تبدو حقيقية، وأبدو أنا كأني جزءًا منها.

مررت بهذا مع حرب النجوم. قائمتي لأفلام "الخروج من الجسد" الأخرى، قصيرة وغريبة، بدءًا ببراعة "Bonnie and Clyde"، أو" Cries and Whispers"، مرورًا بالنزعة التجارية البراقة لـ"Jaws"، والقوة الوحشية لـ"Taxi Driver". على مستوى ما (لا أكون واثقًا أحيانًا)، يدفعونني على الفور وبقوة لفقد قدرتي على الحكم، وتحليلي الإحتياطي. إن الفيلم يحدث، وهو يحدث لي.

مايجعل من حرب النجوم تجربة فريدة، رغم كل ماسبق؛ أنها تلعب على مستويات بريئة ومرحة غالبًا. إن العنف عادًة هو مايجذبني بشدة لأي فيلم، بدءًا من العذاب النفسي لشخصيات بيرجمان، وحتى الصرصرة الطائشة لفكي القرش. ربما الأفلام التي تخيفنا تجد أقصر الطرق لمخيلاتنا، لكن حرب النجوم تكاد تخلو من أي عنف. بدلًا من ذلك، هناك ترفيه مباشر وبسيط، تفتقده الأفلام الحديثة المعقدة.

حرب النجوم قصة خرافية، أسطورية، تجد جذورها في بعضًا من قصصنا الخيالية الأكثر شعبية. الروبوت الذهبي، رائد الفضاء ذو وجه الأسد، والكمبيوتر الصغير المضطرب الذي لابد أنه استوحى من رجل القصدير، والأسد الجبان، والفزاعة من "ساحر أوز". الرحلة من أبعد مكان في المجرة لآخر، هي واحدة ضمن العديد من أعمال أوبرا الفضاء. الأجهزة مستوحاه من "Flash Gordon" مرورًا بـ"2001: A Space Odyssey"، والفروسية من روبن هود، الأبطال من الغرب القديم والأشرار خليط من النازيين والسحرة. فجَّر حرب النجوم لُب الخيال المدفون في ذاكرتنا، ولأنه يفعل ذلك ببراعة، فإنه يعيد تنشيط الإثارة القديمة، والمخاوف، والبهجة التي ظننا أنها هجرتنا عندما قرأنا نسختنا الأخيرة من سلسلة "قصص مدهشة".

يبلي الفيلم حسنًا لعدة أسباب، ولاتدور كلها حول المؤثرات الخاصة المذهلة. التأثيرات جيده بالتأكيد، لكن أفلام مثل "Silent Running" و "Logan's Run" استخدمت مؤثرات عظيمة بالفعل ولم تخلد للأبد في تاريخ شباك التذاكر. أعتقد أن مقومات نجاح حرب النجوم تختلف عن ذلك.

يعتمد الفيلم على قوة السرد الخالص، في أبسط أشكال الحكي المعروفة للإنسان؛ الرحلة. كل الحكايات الرائعة التي نذكرها من طفولتنا تدور حول أبطال ينطلقون في رحلة عبر طرقات مليئة بالخطر، أملًا في العثور على كنز أو تحقيق بطولة عند نهاية الرحلة. في حرب النجوم يصحب جورج لوكاس هذا الإطار البسيط والقوي إلى الفضاء الخارجي، وهذا شيء يوحي بتنفيذه، لأننا لن نملك في المستقبل خرائط على الأرض تحذر: "هنا توجد تنانين". لن نستطيع تخطي حدود الخريطة، كما أمكن لكولومبوس، ولايمكن أن نأمل في إيجاد قارات جديدة لوحوش ماقبل التاريخ أو قبائل مفقودة تحكمها آلهة خالدة. ليس على الأرض على كل حال. لكن كل شيء ممكن في الفضاء، ولوكاس يحلق في الأفق ويرينا كل شيء تقريبًا. نحن نندمج مع الفيلم سريعًا، لأن شخصيات حرب النجوم مرسومة بقوة وبساطة ولديها الكثير من نقاط الضعف الصغيرة وآمال كبيرة تبدو لنا عبثية ولاتتفق مع آمالنا. بعد ذلك، يفعل لوكاس شيء مثير للإهتمام. بينما يرسل أبطاله عبر الفضاء لخوض معركة مع قوات دارث فيدر، والإمبراطور الشرير، ونجمة الموت الرهيبة.. إنه يمنحنا الكثير من المؤثرات الخاصة، هذا صحيح -السفن المارة في الفضاء المتشعب، كواكب غريبة، نجوم لانهائية- لكننا نحصل أيضًا على ثروة من المخلوقات الحية الغريبة، ويصيب لوكاس التخمينات بأنها ستُثير اهتمامنا أكثر من كل أجهزة المجرات.

أحد أروع المشاهد بالنسبة لي، كان الذي دارت أحداثه في حانه غريبة على كوكب تاتوين. يالها من تشكيلة رائعة من المشروبات الكحولية الغريبة، واللقطة الواسعة لشاربي المارتيني المصطفّين على البار، وكان لوكاس في غاية المكر، فسمح لهم بإظهار الخصائص التي اشتهرت بها البشرية، وجدت نفسي أشعر بمزيج من الإعجاب والبهجة. وضعتني حرب النجوم في حضرة ابتكار فيلم سحري، هنا، حيث يختلط كل شيء معًا، حيث الجموح والخيال، العجب البسيط والحكي المتطور بهدوء.

وضع ستانلي كوبريك كل ماكان لديه من تأثيرات خاصة لتصوير الفضاء الخارجي، عندما كان يصور "2001" في أواخر الستينات، لكنه قرر أخيرًا عدم إظهار أي كائنات فضائية على الإطلاق؛ لأن تصميمها كان مستحيل كما ظن، لكن التصميم لم يكن مستحيلًا أبدًا. كما أوضح حرب النجوم، وبهجة الفيلم في إمكانيات الحياة الغريبة التي كانت ممتعة بقدر الصراعات بين مركبات الإمبراطورية والمتمردين.

وربما هذا يساعد على تفسير نقطة ضعف الفيلم الوحيدة، ألا وهي استغراق الهجوم النهائي على نجمة الموت وقتًا أطول من اللازم. ربما لم يتحمل لوكاس فكرة الإقتطاع من فيلمه، بعدما استثمر الكثير من المال والعرق في المؤثرات الخاصة. لكن سحر حرب النجوم يكون دراميًا فقط مع المؤثرات الخاصة؛ قلب الفيلم بين الدفئ البشري (وغير البشري) لشخصياته.


روجر إيبرت
ترجمة: مصطفى اليماني
» تابع القراءة