‏إظهار الرسائل ذات التسميات هاروكي موراكامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هاروكي موراكامي. إظهار كافة الرسائل
| 2 comments ]

اختفاء الفيل
قصة قصيرة لـ هاروكي موراكامي
ترجمة مصطفى اليماني

العنوان الأصلي للقصة: The elephant vanishes، أو: الفيل يختفي

عندما اختفى الفيل من بلدتنا، قرأت خبر اختفاءه في الصحيفة. أيقظني المنبه ذلك اليوم في السادسة والربع كالمعتاد. ذهبت إلى المطبخ، أعددت القهوة والتوست، أدرت الراديو، فتحت الصحيفة على طاولة المطبخ، وشرعت في الأكل والقراءة. أنا واحد من هؤلاء الذين يقرأون الصحيفة من البداية للنهاية، بالترتيب، لذا فقد استغرق الأمر وقتًا حتى أصل للمقال الذي يتحدث عن الفيل المختفي. كانت الصفحة الأولى مليئة بقصص البيانات الجغرافية والإحتكاك التجاري مع أمريكا، طالعت بعد ذلك الأنباء الوطنية، والسياسة الدولية، والإقتصاد، والرسائل المرسلة للمحرر، والمراجعات النقدية للكتب، وإعلانات العقارات، والتقارير الرياضية، وأخيرًا؛ الأخبار الإقليمية.

مقال الفيل كان القصة الرئيسية في القسم الإقليمي. لفت انتباهي العنوان الذي كُتِب بخطٍ أكبر من المعتاد: فيل مفقود في ضواحي طوكيو، وأسفله، بخطٍ أصغر: مخاوف المواطنين تتعاظم، والبعض يطالب بالتحقيق. كانت هناك صورة لرجال الشرطة وهم يفتشون بيت الفيل الفارغ، بدا أن هناك خطأ بالبيت وهي لايحوي الفيل بداخله. بدا أكبر مما يلزم، خاوٍ وفارغ، كوحش ضخم، يابس، اقتُلعت أحشائه.

درست كل سطر في المقال، بينما أتخلص من فِتات التوست. لوحظ غياب الفيل أول مرة في الثانية بعد ظهر أول البارحة الموافق 18 مايو، عند تسليم رجال من شركة الغداء المدرسي شحنتهم المعتادة من الطعام (غالبًا ما يأكل الفيل بقايا غداء الأطفال من المدرسة الإبتدائية المحلية). على الأرض كان يكمن القيد الحديدي الذي كان يقيد ساق الفيل الخلفية، ولايزال مغلقًا، كما لو أن الفيل انزلق منه. لم يكن الفيل وحده من فُقِد، كذلك اختفى حارسه، الرجل الذي كان مسؤولًا عن رعاية الفيل وتغذيته من البداية.

كان بعضًا من تلاميذ المدرسة الإبتدائية آخر من شاهد الفيل وحارسه -وفقًا للمقال- في وقتٍ ما بعد الخامسة من مساء اليوم السابق الموافق 17 مايو. كانوا يزورون بيت الفيل لرسم بعض الإسكتشات. وكان هؤلاء التلاميذ آخر من رأوا الفيل، كماتقول الصحيفة، منذ أغلق الحارس بوابة حظيرة الفيل، عندما انطلقت صفارة السادسة، معلنة انتهاء اليوم.

لم يكن هناك شيء غير عادي بشأن الفيل أو حارسه في هذا الوقت، وفقًا لشهادة التلاميذ. كان الفيل يقف في وسط الحظيرة كما اعتاد الوقوف دائمًا، يهزّ خرطومه من جانب لآخر أحيانًا، أو يحدق بعينيه المجعدتين. كان فيل عجوز بشع، تمثل له كل حركة جهدًا هائلًا؛ لدرجة أن الذين يروه للمرة الأولى، كانوا يخشوا أنه ربما ينهار في أي لحظة، لافظًا أنفاسه الأخيرة.

تبنّت بلدتنا الفيل قبل عام لسنه الطاعنة. عندما تسببت المشاكل المالية في إغلاق الحديقة الصغيرة في طرف البلدة، وجد تاجر للحيوانات البرية مكانًا للحيوانات الأخرى في حدائق بمختلف أنحاء البلاد. لكن يبدو أن كل الحدائق كان لديها الكثير من الفيلة، ولم تكن أيًا منهم مستعدة لاقتناء فيل واهن عجوز، يبدو كما لو أنه سيموت بأزمة قلبية في أي لحظة. وهكذا، بعدما رحلت صحبته، بقي الفيل وحيدًا في حديقة بالية، لما يقرب الأربعة أشهر، بلا أي نفع. ليس كما لوكان نافعًا في الماضي على أية حال.

جلب الفيل مشاكل جمة لكلٍ من الحديقة والبلدة. كانت الحديقة قد باعت أرضها لمطور عقارات يخطط لبناء ناطحة سحاب سكنية، وأصدرت البلدة التصاريح اللازمة بالفعل. طالما ظلت مشكلة الفيل بلاحل، كلما تضاعف ظن مطور العقارات أنه اشترى الهواء. ظل قتل الفيل أمر غير مطروح رغم ذلك. ربما كان القتل واردًا، لو كان سعدان عنكبوتي أو خفاش، لكن التستر على قتل فيل كان في غاية الصعوبة، ولو انكشف الأمر بعد ذلك، ستكون التداعيات هائلة. وهكذا، اجتمعت الأطراف المختلفة لمناقشة المسألة، وأعدوا اتفاقًا للتخلص من الفيل العجوز:

1. تمتلك المدينة الفيل دون أي تكلفة.
2. يوفر مطور العقارات قطعة أرض، دون مقابل، لإقامة الفيل.
3. يتحمل مُلّاك الحديقة السابقين مسؤولية دفع أجر الحارس.

كان لدي اهتمام خاص بمشكلة الفيل من البداية، وقد احتفظت بكل قصاصة وجدتها عن الموضوع، حتى أنني ذهبت لأستمع لمناقشات مجلس المدينة بشأن المسألة؛ لهذا أستطيع تقديم بيان كامل ودقيق لمجرى الأحداث. ولمّا كان تقريري مفصلًا إلى حدٍ ما، فقد اخترت وضعه هنا، في حالة وجود علاقة مباشرة بين مشكلة الفيل واختفاءه.

عندما انتهى العمدة من التفاوض بشأن الإتفاق -مع حكمه بتولي المدينة مسؤولية الفيل- برزت حركة مُعارِضة للإجراءات من داخل صفوف حزب المُعارَضة (والذي لم أكن أتصور وجوده حتى ذلك الحين)، وسألت العمدة: «لماذا يجب أن تمتلك البلدة الفيل؟»، وأثاروا النقاط التالية (آسف على تضمين كل هذه القوائم، لكني أستخدمها لجعل الأشياء أسهل للفهم):

1. مشكلة الفيل كانت أمرًا يخص مؤسسات خاصة -الحديقة ومطور العقارات، فلايوجد سبب لتصبح المدينة طرفًا في الأمر.
2. تكاليف الرعاية والتغذية سوف تكون مرتفعة للغاية.
3. ماذا ينوي العمدة أن يفعل حيال مشكلة الأمن؟
4. ما الفائدة التي ستعود على البلدة بامتلاكها الفيل؟

- «على البلدة عدد كبير من المسؤوليات يجب أن تعتني بها قبل أن تقحم نفسها في أعمال تربية الأفيال، مثل إصلاح المجاري، وشراء سيارة إطفاء جديدة، إلى آخره».

أعلنتها جماعة المعارضة، وبينما لم يقولوها صريحة، فقد لمحوا لاحتمالية وجود صفقة سرية بين العمدة ومطور العقارات.

قال العمدة ردًا على ذلك:

1. لو سمحت البلدة ببناء ناطحة السحاب، ستزداد عوائدها الضريبية بشكلٍ هائل، لدرجة أن تكلفة الإحتفاظ بالفيل ستغدو ضئيلة بالمقارنة؛ وبالتالي، من المنطقي أن تعتني البلدة بالفيل.
2. كان الفيل عجوزًا للغاية، لدرجة أنه لا يأكل كثيرًا، ولايحتمل أن يشكل خطرًا على أي شخص.
3. عندما يموت الفيل، ستستحوذ البلدة بالكامل على الأرض التي تبرع بها مطور العقارات.
4. يمكن أن يصبح الفيل رمزًا للبلدة.

أفضت المناقشة الطويلة للإتفاق على أن البلدة سوف تتولى مسؤولية الفيل. كضاحية سكنية عتيقة وراسخة، تمتعت البلدة بحياة رغيدة نسبيًا، وأساسها المالي كان سليمًا. كان تبنّي الفيل الشريد خطوة يمكن أن ينظر لها الناس بشكلٍ إيجابي. أحب الناس الفيلة الهرمة أكثر من المجاري وسيارات الإطفاء.

أنا شخصيًا كنت أؤيد تولي المدينة رعاية الفيل. صحيح أنني كنت قد سئمت ناطحات السحاب، لكني أحببت فكرة أن تمتلك المدينة فيلًا.

تم تهذيب منطقة مشجرة، ونقلوا إليها صالة الألعاب العتيقة للمدرسة الإبتدائية لتمثِّل بيت الفيل. سيأتي الرجل الذي عمل على حراسته سنوات عديدة ليقيم معه في البيت. سيُطعَم الفيل من بقايا غداء الأطفال. وأخيرًا، نُقِلَ الفيل في مقطورة إلى مسكنه الجديد، ليقضي هناك ماتبقى من عمره.

انضممت إلى الحشد في مراسم الإحتفال بالفيل. وقف العمدة أمام الفيل وألقى خطابًا عن تنمية المدينة وإثراء المنشآت الثقافية، ووقف أحد تلاميذ المدرسة الإبتدائية، ممثلًا الهيئة الطلابية، ليقرأ مقال إنشائي «فلتعش حياة مديدة، وافرة بالصحة، سيدي الفيل»، وكان هناك مسابقة في الرسم (صار رسم الفيل بعد ذلك جزءًا لايتجزأ من التعليم الفني للتلاميذ)، وتولّت شابتين بفساتين ميّاسة (لم تكن أيًا منهما ذات جمال لافت) مهمة إطعام الفيل حفنة من الموز. تحمَّل الفيل هذه الإجراءات الإفتراضية الفارغة (وهي فارغة تمامًا بالنسبة إلى الفيل) بلا أن يحرِّك جفنًا، والتهم الموز بعينين شاردتين. وعندما انتهى من تناول الموز، هلل الجميع.

ارتدى الفيل في ساقه اليمنى الخلفية، قيد حديدي ثقيل، امتدت منه سلسلة سميكة بطول 30 قدم تقريبًا، تلك السلسلة اتصلت بدورها جيدًا بلوحٍ خرساني. أي شخص يمكن أن يرى مدى قوة المرساة التي ثبتت الفيل في المكان؛ حيث يمكن أن يكافح الفيل بكل قوته لمئة عام، ولايتمكن من كسر القيد أبدًا.

لم أستطع تخمين ما إذا كان الفيل منزعجًا من قيوده. على الأقل لم يبدو على ملامحه أي وعي بقطعة المعدن الضخمة الملتفة حول قدمه. لقد أبقى نظرته الفارغة معلقة بنقطة مجهولة في الفضاء، بينما تتمايل أذناه وشعيرات جسده البيضاء القليلة بلطف مع النسيم.

كان حارس الفيل عجوزٌ ضئيلٌ نحيل، وكان من الصعب تخمين عمره، قد يكون في أوائل الستينات أو في أواخر السبعينات. كان واحدًا من أولئك الذين لايستمر مظهرهم بالتأثر بالسن بعد مرورهم بنقطة معينة في الحياة. كانت تظهر بشرته بلون سفعة الشمس الحمراء الداكنة، سواء في الصيف أو الشتاء، وكانت عيناه صغيرتان. لم يكن لدى وجهه سمات مميزة، لكن كان لديه أذنين دائريتين ذات بروزٍ يثير القلق.

لم يكن رجلًا بغيضًا، وكان واضحًا في أنّهُ لن يصد أي شخص يحاول التواصل معه، كما أنه يمكن أن يصير جذّابًا تقريبًا لو أراد، رغم أنك ستعلم دائمًا أنه كان منزعجًا إلى حدٍ ما. إجمالًا، سيظل عجوز، متحفظ، وحيد. كان يبدو أشبه بالأطفال الذين يزورون بيت الفيل، وكان يحاول أن يكون لطيفًا معهم، لكن الأطفال لم يشعروا بالحميمية أبدًا تجاهه.

لم يشعر بالحميمية تجاهه سوى الفيل. عاش الحارس في غرفة صغيرة مجهزة، ملحقة ببيت الفيل، يمكث مع الفيل طيلة اليوم، ملبيًا احتياجاته. كانا معًا لأكثر من 10 سنوات، ويمكن أن تستشعر مدى انسجامهما في كل لفتة ونظرة. كلما أراد الحارس تحريك الفيل الشارد من مكانه، لم يكن عليه سوى الوقوف بجواره، ونقر ساقه الأمامية، وهمس شيئًا في أذنه، فيحرك الفيل جسده الضخم، حيث أراد الحارس بالضبط، متخذًا وضعيته الجديدة، ومتابعًا التحديق في بقعة ما في الفضاء.

كنت أمر على بيت الفيل في عطلة نهاية الأسبوع، وأدرس هذه العمليات، لكني لم أتمكن أبدًا من معرفة المبادئ التي يستند عليها التواصل بين الحارس والفيل. ربما يستطيع الفيل فهم بضع كلمات بسيطة (لقد عاش طويلًا كفاية ليفهم بالتأكيد)، أو ربما يتلقى تعليماته من خلال النقرات المختلفة على ساقه. أو ربما يملك بعض القدرات الخاصة مثل التخاطر الذهني، ويستطيع قراءة ذهن الحارس. سألت الحارس ذات مرة كيف يعطي أوامره للفيل، لكن العجوز لم يفعل سوى الإبتسام، وقال: «نحن معًا منذ وقتٍ طويل».

وهكذا مر عام، ثم اختفى الفيل دون سابق إنذار. كان هنا ذات يوم، وفي اليوم التالي لم يعد هنا.

سكبت لنفسي المزيد من القهوة، وقرأت القصة مجددًا من البداية للنهاية. الحقيقة أنه كان مقال غريب جدًا، من النوعية التي قد تثير اهتمام شيرلوك هولمز ذاته، حتى أنه كان ليقول وهو ينقر غليونه: «انظر لهذا يا واطسون، أنه مقال مثير جدًا للإهتمام. مثير جدًا حقًا».

مامنح المقال مسحته الغريبة كان الإرتباك الواضح وحيرة الصحفي، الإرتباك والحيرة اللذان نبعا بالطبع من عبثية الوضع ذاته. يمكن أن ترى كيف أن الصحفي كافح من أجل العثور على طرق ذكية وسط العبث سعيًا لكتابة مقال ”طبيعي“. لكن الكفاح لم يفعل سوى الدفع بارتباكه وحيرته لدرجة ميؤوس منها.

على سبيل المثال، يستخدم المقال عبارات مثل ”هروب الفيل“، لكن لو نظرت للصورة الكاملة، ستجد أنه من الواضح أن الفيل لم ”يهرب“ بأي حال من الأحوال، بل تبخر في الهواء. كشف الصحفي عن حيرته عندما ذكر أن بعض ”التفاصيل“ مازالت ”غير واضحة“، لكني شعرت أن هذه ليست ظاهرة يمكن نبذها باستخدام مصطلحات عادية مثل ”تفاصيل“، أو ”غير واضحة“.

أولًا، هناك مشكلة القيد الحديدي الذي كان يقيد ساق الفيل، ووُجِدَ مُغلقًا كماهو. التفسير الأكثر منطقية لهذا سيكون أن الحارس قام بفكّ الحلقة عن ساق الفيل وأعاد إغلاقها مجددًا، وهرب مع الفيل. تلك الفرضية التي تمسَّكَت بها الصحيفة بإصرار يائس، رغم حقيقة أن الحارس لم يكن لديه المفتاح! لايوجد سوى مفتاحين، أبقتهما البلدة داخل خزينتين آمنتين، واحد في مقر الشرطة الرئيسي، والآخر في محطة الإطفاء، كلاهما بعيدًا عن متناول الحارس، أو أي شخص قد يحاول سرقتهما. وحتى لو نجح أحدهم في سرقة مفتاح، فلايوجد مايدفع هذا الشخص لإعادة المفتاح بعد استخدامه. في صباح اليوم التالي وُجِد المفتاحين في خزينتيهما داخل مركزيّ الشرطة والإطفاء. ممايدفعنا إلى استنتاج أن الفيل قد سحب ساقه خارج الحلقة الحديدية دون مساعدة المفتاح، وهذه استحالة مُطلَقَة، إلا أذا قام أحدهم بنشر ساق الفيل.

المشكلة الثانية هي طريقة الهروب. أحيط بيت الفيل وحديقته بسياج ضخم ارتفاعه حوالي 10 أقدام. حظت مسألة الأمن بنقاش ساخن في مجلس المدينة، واستقرت المدينة على نظام يمكن أن يعتبر باهظًا نوعًا لمنع فيل عجوز من الهرب. غُرِزَت قضبان حديدية ثقيلة في قاعدة خرسانية سميكة (تحملت الشركة العقارية تكلفة السور)، وكان هناك مدخل واحد فقط، وُجِد مُغلقًا من الداخل. لم يكن هناك سبيل لهروب الفيل، في ظل وجود هذا السياج المنيع.

المشكلة الثالثة هي مسارات الفيل. هناك تلة شديدة الإنحدار تقع مباشرًة خلف سياج الفيل، ويستحيل أن يكون الفيل قد تسلقها، فحتى لو افترضنا أن الفيل قد تمكن من سحب ساقه بطريقٍة ما خارج القيد الحديدي وقفز فوق سور ارتفاعه 10 أقدام، فسيظل مضطرًا لسلوك الطريق الذي يقع أمام السياج، ولم يكن هناك علامة واحدة في أي مكان فوق أرض هذا المسار يمكن أن تعتبر بصمة لفيل.

وسط كل تلك الألغاز التي طُرِحت والتساؤلات واللف والدوران، تطرق مانشرته الصحيفة لكل الإستنتاجات، عدا استنتاج واحد: أن الفيل لم يهرب، وإنما اختفى.

غني عن الذِكر أن كلٍ مِن الصحيفة والشرطة والعمدة لم يكن لديهم استعداد للإعتراف -علنًا على الأقل- أن الفيل قد اختفى. واصلت الشرطة تحقيقها، ولم يقل المتحدث باسمها سوى أن الفيل إما «اختُطِف أو سُمِح له بالهرب في خطوة ذكية، وتعمد محسوب. أنها فقط مسألة وقت حتى نتمكن من حل القضية؛ نظرًا للصعوبة التي تكمن في إخفاء فيل»، وأضاف لهذا التقييم المتفائل أنهم كانوا يخططون لتمشيط غابات المِنطقة بمعونة نوادي الصيد المحلية وقناصة من قوات الدفاع الوطنية.

عقد العمدة مؤتمرًا صحفيًا، حيث أعرب عن اعتذاره لنقص موارد شرطة المدينة، وأعلن في الوقت نفسه أن «نظام الفيل الأمني يماثل قطعًا الوسائل الأمنية في أي حديقة حيوان في البلاد، بل أنه أقوى بكثير في الواقع، وأكثر أمنًا من الأقفاص الإعتيادية»، وأشار إلى أن «هذا فعل خطير وأحمق، وهو من أكثر الأفعال خبثًا ومعاداة للمجتمع، ولايمكن أن نسمح له بالمرور دون عقاب».

أطلق أعضاء حزب المعارضة في مجلس المدينة الإتهامات، كمافعلوا العام السابق: «نحن نعتزم أن ننظر في أمر مسؤولية العمدة السياسية؛ لقد تواطأ مع مؤسسات القطاع الخاص بغية قطع وعود وهمية لأهالي البلدة لحل مشكلة الفيل».

قالت إحدى الأمهات القلقات (تبلغ من العمر 37 عامًا) في حوار مع الصحيفة: «صرت أخشى الآن ترك طفلي يلعب في الخارج».

شملت التغطية موجز تفصيلي للخطوات التي أدت لقرار تبني المدينة للفيل، ورسم جوي لبيت الفيل والحديقة، وتاريخ مختصر للفيل والحارس الذي اختفى معه. الرجل، نوبورو واتانابي، البالغ من العمر 63 عامًا، كان من تاتياما في مقاطعة تشيبا. عمل لسنوات عديدة كحارس في قسم الثدييات بحديقة الحيوان، و”قد حظي بكامل ثقة سلطات الحديقة، نظرًا لعلمه الغزير بهذه الحيوانات وشخصيته الصادقة الدافئة“. كان الفيل قد أُرسِل من شمال أفريقيا قبل 22 عامًا، لكن قِلّة من كانوا على علم بعمره الدقيق أو ”شخصيته“. اختتم التقرير بطلب الشرطة من مواطني المدينة أن يتقدموا بأية معلومات قد تكون لديهم بشأن الفيل.

فكرت قليلًا في هذا الطلب وأنا أحتسي فنجان القهوة الثاني، لكني قررت ألا أتصل بالشرطة. فضّلت عدم التورط معهم لو كان بإمكاني مد يد العون، وشعرت أنهم لن يصدقوا مالدي. أي فارق يمكن أن تصنعه جراء التحدث مع أشخاصٍ كهؤلاء، أشخاص لن ينظروا حتى في احتمالية أن الفيل قد اختفى ببساطة؟

أخذت دفتر القصاصات من فوق الرف، قصصت مقالة الفيل، ولصقتها بداخله، ثم غسلت الأطباق واتجهت إلى المكتب.

شاهدت البحث في أخبار الساعة السابعة. كان هناك صيادين يحملون بنادق ذات فوّهات واسعة ملقمة بسهام مهدئة، وفرقة من قوات الدفاع الذاتي، ورجال شرطة، ورجال إطفاء، يمشطون جميعًا كل إنش مربع من الغابات والتلال في المنطقة المحيطة، كما حلقت المروحيات في السماء. نحن نتحدث بالطبع عن نوعية ”الغابات“ و”التلال“ التي تجدها في الضواحي خارج طوكيو، حيث لم يكن أمامهم منطقة شاسعة للتغطية. ينبغي أن يكون يوم أكثر من كافي لإنهاء البحث، مع كل هؤلاء المشاركين. وهم لايبحثون عن قاتل صغير معتوه؛ بل يسعون وراء فيل إفريقي ضخم. كان هناك عدد محدود من الأماكن التي يمكن أن يختبئ بها الفيل، لكنهم لم ينجحوا في العثور عليه رغم ذلك. ظهر رئيس الشرطة على الشاشة قائلًا: «نحن نعتزم مواصلة البحث». وختم المذيع التقرير بقوله: «من حرر الفيل، وكيف؟ أين خبأوه؟ وماهي دوافعهم؟ لايزال كل شيء محاطًا بالغموض».

استمر البحث لعدة أيام، لكن السلطات لم تتمكن من اكتشاف دليل واحد عن مكان الفيل. درست تقارير الصحيفة، قصصتهم جميعًا، ولصقتهم في دفتر القصاصات، بما في ذلك الكاريكاتير الصحفي المتعلق بالموضوع. امتلأ الألبوم سريعًا، واضطررت إلى شراء آخر. لم تحتوي القصاصات على حقيقة واحدة من النوع الذي كنت أبحث عنه، رغم حجمها الهائل. كانت التقارير إما عديمة الجدوى أو خاطئة: لايزال الفيل مفقودًا، وجوم تام يسيطر على مقر البحث، عصابة وراء الإختفاء؟ وحتى مقالات مثل هذه صارت شحيحة بشكلٍ ملحوظ بعد مرور أسبوع، حتى لم يعد هناك شيء فعليًا. نشرت بعض المجلات الأسبوعية قصصًا مثيرة -حتى أن إحداها استأجرت خبير روحاني- لكنهم لم يملكوا أي دليل لإثبات عناوينهم المثيرة. بدا أن الناس بدأوا في إدراج قضية الفيل ضمن الفئة الكبيرة من ”الأسرار مستعصية الحل“. لم يمثل اختفاء فيل عجوز وحارس عجوز أي تأثير على مسار المجتمع. ستتابع الأرض دورتها الرتيبة، سيستمر السياسيين في إصدار إعلاناتهم التي لايعوّل عليها، سيواصل الناس التثاؤب في طريقهم إلى العمل، وسيظل الأطفال يدرسون من أجل امتحانات دخولهم إلى الكلية. وسط الفوران الذي لانهاية له وتدهور الحياة اليومية، لايمكن أن يدوم الإهتمام بفيل مفقود إلى الأبد. وهكذا، مر عدد غير ملحوظ من الشهور، كعرض عسكري لجيش مُتعَب أمام نافذة.

كنت أذهب لزيارة البيت الذي كان يأوي الفيل، كلما حظيت بوقت فراغ. أحاطت سلسلة سميكة بقضبان بوابة الفناء الحديدية، لإبقاء الناس بالخارج. أمعن النظر بالداخل، فأرى أن باب بيت الفيل أحيط هو الآخر بسلسلة حديدية وأُغلَق، كما لو أن الشرطة تحاول التعويض عن فشلها في إيجاد الفيل عن طريق مضاعفة طبقات الأمن على بيت الفيل الذي صار خاويًا. كانت المنطقة مهجورة، واستُبدِلَت الحشود السابقة بالحمام المنتشر فوق السور. لم يعد أحد يعتني بالحديقة، وانتشر عُشب صيفي أخضر غزير كما لو كان يتحين هذه الفرصة. ذكرتني السلسلة الملفوفة حول باب بيت الفيل بثعبان ضخم يحرس قصر مهدّم في غابة كثيفة. بضعة أشهر قليلة دون وجود الفيل منحت المكان رائحة الفناء والخراب الذي عَلِق هناك مثل سحابة مطر كثيفة غاشمة.
***
قابلتها قرب نهاية سبتمبر. كانت الأمطار تهطل ذلك اليوم من الصباح وحتى المساء— نوعية المطر الضبابية، الرتيبة، الناعمة، التي غالبًا ماتهطل في ذلك الوقت من السنة، لتجرف شيئًا فشيئًا ذكريات صيفٍ أحرق الأرض. وعبر المزاريب، تصبّ كل تلك الذكريات في المجاري والأنهار، لتُنقَل إلى المحيط المُظلِم، العميق.

لاحظنا بعضنا في حفلة أقامتها شركتي لتدشين حملتها الإعلانية الجديدة. أعمل في قسم العلاقات العامة في الشركة المُصنِّعة الرئيسية للأجهزة الكهربية، وفي الوقت ذاته كنت مسؤولًا عن الدعاية لخط تنظيم معدات المطبخ، التي كان من المقرر أن تُطلَق في الأسواق في وقت مواسم حفلات الزفاف الخريفية ومنحة الشتاء. كان عملي يتمثل في التفاوض مع عدد من المجلات النسائية لكتابة مقالات دعائية، ولا أعني هذا النوع من الدعاية التي تتطلب قدرًا كبيرًا من الذكاء، لكن كان علي التأكُّد من أن المقالات التي كتبنها لن تفسد الحملة الدعائية. عندما تمنحنا المجلات الدعاية، نكافئهم عن طريق نشر إعلانات في صفحاتهم. هكذا يجري العمل، يخدموننا، ونخدمهم.

أتت إلى الحفل لجمع بيانات لكتابة إحدى تلك ”المقالات“، باعتبارها محررة في مجلة لربات البيوت الشابات. وحدث أن كنت مسؤولًا عن اصطحابها في جولة، مشيرًا إلى مزايا الثلاجات الملونة وماكينات إعداد القهوة وأفران الميكروويف والعصّارات التي صممها لنا مصمم إيطالي شهير.

قلتُ موضِّحًا: «إن أكثر مايهم هو التناغم. حتى أجمل العناصر تصميمًا تموت لولم تكن متوازنة مع مايحيط بها. تناغم التصميم، وتناغم اللون، وتناغم الآداء: هذا مايحتاجه مطبخ اليوم أكثر من أي شيءٍ آخر. الأبحاث تخبرنا أن ربة البيت تقضي أغلب يومها في المطبخ. المطبخ هو مكان عملها، ودراستها، وغرفة معيشتها.. لهذا تفعل كل مايمكنها لتجعل من المطبخ مكان يطيب لها التواجد فيه. الأمر لاعلاقة له بالحجم. سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، مبدأٌ أساسيٌ واحد يحكم كل مطبخ ناجح؛ ألا وهو التناغم. هذا هو المفهوم الذي يرتكز عليه تصميم سلسلتنا الجديدة. انظري لهذا الموقد على سبيل المثال...».

أومأت ودوّنت أشياء في دفتر صغير، لكن كان واضحًا أن اهتمامها بالمعلومات كان قليلًا، ولم يكن لديّ اهتمامٌ خاص بموقدنا الجديد كذلك. كلانا كان يمارس وظيفته.

قالت عندما انتهيت: «أنت تعرف الكثير عن المطابخ». ونطقت ”مطابخ“ باليابانية، وليس بالإنجليزية كما كنت أفعل.

أجبت بابتسامة مهنيّة: «هذا ما أفعل لكسب لقمة العيش، كما أنني أحب الطهو. لست محترفًا، لكني أعد الطعام لنفسي كل يوم».

قالت: «لكني أتساءل مع ذلك، لو كان التناغم هو كل مايلزم المطبخ».

نصحتها: «نحن ننطق ”مطبخ“ بالإنجليزية. ليس أمرًا هامًا، لكن الشركة تريدنا أن نستخدم الإنجليزية».

فقالت: «معذرًة. لكني لازلت أتساءل: هل التناغم مهم جدًا بالنسبة للمطبخ؟ ما رأيك؟».

قلت بابتسامة: «رأيي الشخصي؟ أنا لا أصرِّح به سوى خارج أوقات العمل الرسمية، لكني سأقوم باستثناء اليوم. المطبخ ربما يحتاج إلى بضعة أشياء أكثر من حاجته للتناغم، لكن تلك العناصر الأخرى أشياء لايمكنكِ بيعها، وفي عالمنا البراجماتي هذا، لايُعوّل كثيرًا على الأشياء التي لايمكن بيعها».

- «أترى أن العالم مكان براجماتي؟».

أخرجت سيجارة وأشعلتها بقداحتي، وقلت: «أنا لا أعرف، كان مجرد رأيٌ عفوي، لكنه يفسر الكثير، كما أنه يجعل العمل أسهل. يمكن أن تمارسي به الألعاب، تشكّلي تعبيرات أنيقة: ’’البراجماتية أَسَاسِيًّا‘‘، أو ’’البراجماتية في الباطِن‘‘. يمكنك تجنب جميع أنواع المشاكل المعقدة، لو نظرتِ للأمور بهذه الطريقة».

- «يالها من وجهة نظر مثيرة للإهتمام!».

- «ليس حقًا، فهذا مايظنه الجميع. بالمناسبة، لدينا شامبانيا جيدة جدًا، أترغبين في القليل؟».

- «أشكرك. لامانع لدي».

تبادلنا الحديث أثناء شُرب الشامبانيا، وأدركنا أن لدينا العديد من المعارف المشتركين، ولم يكن هذا مفاجِئًا؛ نظرًا لأن مجالنا في سوق العمل ليس كبيرًا جدًا. فوق ذلك، تصادف أنها تخرجت وشقيقتي الصغرى من نفس الجامعة. ومع أشياء مشتركة كهذه، استمر حديثنا بسلاسة.

لم تكن متزوجة، وكذا كنت. كانت في السادسة والعشرين، وكنت في الواحد والثلاثون. كانت ترتدي عدسات لاصقة، وكنت أرتدي نظارات. أشادت بربطة عنقي، وأثنيت على سترتها. قارننا بين إيجار شقتينا وتذمّرنا من وظائفنا ومرتباتنا. بعبارة أخرى، كنا بدأنا نعجب ببعضنا البعض. كانت امرأة جذابة، ولم تكن لحوحة على الإطلاق. وقفت هناك أتحدث معها طوال 20 دقيقة كاملة، غير قادر على اكتشاف أي شيء سيء بها.

حينما أوشك الحفل على الإنتهاء، دعوتها للإنضمام لي في مشرب الفندق، حيث جلسنا لمتابعة حديثنا. تساقط مطر هادئ خارج نافذة المشرب البانورامية، أرسلت أضواء المدينة رسائل باهتة خلال الضباب. ساد المشرب شبه الخاوي سكون كئيب. طَلَبَتْ كوكتيل مثلج وطلبتُ سكوتش بالثلج.

خلال احتساء المشروبات، واصلنا نوعية الأحاديث التي تدور بين رجل وامرأة في حانة عندما يكونا قد تقابلا لتوهما وبدأ بينهما تبادل الإعجاب. تحدثنا عن أيام الكُلِّيَّة، وذوقينا في الموسيقى، والرياضة، وروتيننا اليومي.

ثم أخبرتها عن الفيل. كيف حدث هذا بالضبط، لا أستطيع أن أذكر. ربما كنا نتحدث عن شيء له علاقة بالحيوانات، مما خلق سياقًا ملائمًا، أو ربما كنت أبحث -دون وعي- عن مستمع جيد يمكن أن أعرض عليه وجهة نظري الفريدة في اختفاء الفيل. أو بعد كل هذا، قد يكون الخمر هو ماجعلني أتحدث.

على أي حال، لقد أدركت في اللحظة التي طرحت فيها الموضوع، أنني اخترت أحد أقل المواضيع ملائَمة لمناسبة كهذه. لا، لم يكن يجب أن أذكر الفيل أبدًا. كان الموضوع منتهيًا ومغلقًا تمامًا.

حاولت الإنتقال سريعًا إلى موضوع آخر، لكن شاء حسن الحظ أن تكون أكثر اهتمامًا من الأغلبية بقضية اختفاء الفيل، وأغرقتني بالأسئلة فور اعترافي برؤية الفيل مرات عديدة: ماذا كان نوعه، وكيف أعتقد أنه هرب، وماذا كان يأكل، ألم يكن خطرًا على المجتمع، وهكذا دواليك.

لم أخبرها أكثر مما يعرفه الجميع من الأخبار، لكن يبدو أنها شعرت بارتباك في نبرة صوتي. لم أكن جيدًا في الكذب قط.

ارتشفَتْ شرابها الثاني كأنها لم تلاحظ بسلوكي أي شيء غريب، وسألتني: «ألم تُصدَم عندما اختفى الفيل؟ ليست هذه نوعية الأشياء التي يمكن أن يتوقعها أي شخص».

قلت: «لا، ليس على الأرجح». أخذت قطعة مقرمشات من الطبق الزجاجي فوق طاولتنا، قسمتها إلى نصفين، أكلت إحداهما. استبدل النادل منفضة سجائرنا بأخرى نظيفة.

نظرت لي بترقب. أخرجت سيجارة أخرى وأشعلتها. كنت قد أقلعت عن التدخين قبل 3 سنوات، لكني عدت مرًة أخرى عندما اختفى الفيل.

قالت: «لِمَ ’’ليس على الأرجح‘‘؟ تعني أنه كان باستطاعتك توقع الأمر؟».

قلت بابتسامة: «لا، لم أستطع توقع الأمر بالطبع، لاتوجد سوابق لاختفاء فيل فجأة ذات يوم، ولاحاجة لحدوث شيء من هذا القبيل. الأمر لايحمل أي معنى منطقي».

- «لكن إجابتك كانت غريبة جدًا رغم ذلك. عندما قلت لك أن هذه ’’ليست نوعية الأشياء التي يمكن أن يتوقعها أي شخص‘‘، أجبت بـ’’لا، ليس على الأرجح‘‘، بينما كان سيجيب معظم الناس بـ’’أنتِ على حق‘‘، أو ’’أجل، هذا غريب‘‘ أو شيء من هذا القبيل. أتفهم ما أعني؟».

أرسلتُ إيماءة مبهمة في اتجاهها ورفعت يدي استدعاءًا للنادل. سيطر نوع من الصمت المؤقت أثناء انتظاري ليجلب لي المزيد من السكوتش.

قالت بهدوء: «أجد هذا عثيرٌ على الفهم بعض الشيء، كنت تجري معي حوارًا طبيعيًا قبل دقائق، على الأقل حتى طرحت موضوع الفيل، ثم حدث شيء غريب. لم يعد بإمكاني فهمك. هناك شيء خاطئ. أهو الفيل؟ أم أن أذنيّ تخدعاني؟».

قلت: «لاتوجد مشكلة في أذنيكِ».

فقالت: «إذًا المشكلة بك أنت».

وضعت إصبعي في كأسي وحركت الثلج. أحب صوت الثلج في كأس الويسكي.

- «لم أكن لأدعوها مشكلة بالضبط، فالأمر أبسط من ذلك، ولا أحاول إخفاء أي شيء. أنا فقط لست واثقًا أنني أستطيع التحدث عن الأمر بشكلٍ جيد، فأحاول ألا أقول أي شيء على الإطلاق، لكنكِ على حق؛ الأمر غريب جدًا».

- «ماذا تعني؟».

لم يعد هناك مفر؛ يجب أن أحكي لها القصة. أخذت جرعة ويسكي وبدأت.

- «الأمر هو أنني قد أكون آخر من رأى الفيل قبل اختفائه. لقد رأيته بعد السابعة من مساء يوم السابع عشر من مايو، وقد لاحظوا اختفائه بعد ظهر الثامن عشر. لم يره أحد فيما بينهما لأنهم يغلقون بيت الفيل في السادسة».

- «لم أفهم الأمر. لو كانوا يغلقون البيت في السادسة، فكيف رأيته بعد السابعة؟».

- «هناك مايشبه المنحدر خلف بيت الفيل. تلة شديدة الإنحدار في ملكية خاصة، بلا طرق حقيقية. هناك بقعة واحدة، فوق التلة، حيث يمكنكِ النظر داخل بيت الفيل. ربما أنا الوحيد الذي يعلم بها».

لقد وجدت البقعة بمحض الصدفة. كنت أتنزه في المنطقة بعد ظهر يوم أحد، وحدث أن ضللت طريقي وانتهى بي الأمر فوق قمة المنحدر. وجدت رُقعة صغيرة مسطحة، تكفي لاحتواء شخص واحد فحسب، وعندما نظرت عبر الشجيرات، رأيت سقف بيت الفيل. أسفل حافة السقف كانت هناك ثغرة كبيرة نسبيًا، حظيت خلالها برؤية واضحة لبيت الفيل من الداخل.

جعلتها عادة بعد ذلك. كنت أذهب لزيارة المكان من حينٍ إلى آخر لمشاهدة الفيل حين يكون داخل البيت. لو حدث وسألني أي شخص: لماذا أتكلف عناء فعل شيء كهذا، لن يجد لدي إجابة لائقة. ببساطة أستمتع بمشاهدة الفيل خلال وقته الخاص. هذا كل مافي الأمر. لا أستطيع رؤية الفيل حين يُظلِم البيت بالداخل طبعًا، لكن في الساعات الأولى من المساء يترك الحارس الأضواء خلال الوقت الذي يعتني فيه بالفيل، مما أتاح لي دراسة المشهد بالتفصيل.

ما أدهشني على الفور حين رأيت الفيل وحارسه وحدهما، كان الإعجاب الواضح الذي يكناه لبعضهما البعض، وهو مالم يفصحا عنه أبدًا أثناء وجودهما بالخارج أمام الجمهور. كانت عاطفتهما واضحة في كل إيماءة. ويبدو أنهما كانا يختزنا مشاعرهما أثناء النهار، ويحرصا على ألا يدعا أي شخص يلاحظها، ويعبرا عنها في الليل حين يصيرا وحدهما. هذا لايعني أنه كان يبدر منهما أي شيء مختلف حين يكونا وحدهما بالداخل. كان الفيل يقف شاردًا كالعادة، بينما يقوم الحارس بآداء المهام التي يتوقع منه المرء آداءها باعتباره حارسًا: فرك جسد الفيل بفرشاة خَشِنة، والتقاط فضلات الفيل الهائلة، وتنظيف المكان بعدما يأكل الفيل. لكن لم يكن هناك مجال لعدم ملاحظة الدفء الإستثنائي وشعور الثقة فيما بينهما. كان الفيل يربت ظهر الحارس بخرطومه أثناء كنسه الأرضية، وكنت أحب رؤيته وهو يفعل هذا.

سألتني: «أكنت دائمًا مولعًا بالفيلة؟ أعني، ليس هذا الفيل بعينه فحسب؟».

قلت: «إذا أمعنّا التفكير في الأمر، سنجد أنني أحب الفيلة. هناك شيء يثيرني بشأنهم. أعتقد أنني دائمًا ما أحببتهم، ولا أعرف لذلك سببًا».

«أفترض أنك كنت فوق التلة في ذلك اليوم أيضًا، بعد مغيب الشمس، تراقب الفيل. في شهر مايو.. أي يومٍ كان؟».

«السابع عشر. السابعة من مساء يوم 17 من مايو. كانت الأيام طويلة جدًا في ذلك الوقت، وقد توهجت السماء بالحُمرة، لكن الأنوار كانت مُضاءة في بيت الفيل».

- «وهل لاحظت بالفيل أو الحارس أي شيء غريب؟».

- «حسنًا، لاحظت ولم ألحظ. لا أستطيع التحديد. ليس كما لو كانا يقفا أمامي مباشرًة. ربما لست أكثر شاهِد جدير بالثقة».

- «ماذا حدث بالضبط؟».

شربت جرعة من السكوتش الذي ذاب فيه الثلج وصار سكوتش بالماء الآن. استمرت الأمطار بالهطول خارج النوافذ، نفس الغزارة السابقة، عنصر ثابت في المناظر الطبيعية لن يتغير أبدًا.

- «لم يحدث شيء، حقًا. كان الفيل والحارس يفعلا ما اعتادا فعله دائمًا: التنظيف، والأكل، واللعب معًا بطريقتهم الودودة. ليس الأمر أن أفعالهما كانت غريبة، لكنها الطريقة التي بديا عليها. شيء متعلق بالتوازن فيما بينهما».

- «التوازن؟».

«في حجم جسديهما. بدا أن التوازن قد تغير نوعًا ما. انتابني الشعور بأن التبايُن بينهما قد تقلّص إلى حدٍ ما».

ظلّت تحدِّق في كأس الكوكتيل لفترة. أمكنني رؤية أن مكعبات الثلج قد ذابت وأن المياه شقّت طريقها خلال الكوكتيل مثل محيط صغير متدفِّق.

- «بمعنى أن الفيل قد صار أصغر حجمًا؟».

- «أو أن الحارس قد صار أكبر، أو كلاهما معًا».

- «ولم تخبر الشرطة بهذا؟».

قلت: «بالطبع لا. أنا متأكد أنهم لم يكونوا سيصدقوني، ولو كنت أخبرتهم أني كنت أشاهد الفيل من المنحدر في وقتٍ مثل هذا، كان سينتهي بي الأمر كالمشتبه الأول لديهم».

- «لكن هل أنت متأكد أن التوازن بينهما قد تغير؟».

- «على الأرجح. هذا كل ما أستطيع قوله. أنا لا أملك أي دليل، وكنت أشاهدهما من خلال فتحة التهوية كما أردد. لكني شاهدتهما من قبل مرّاتٍ عِدّة، لذا يصعب علي تصديق أنني قد أخطئ في تمييز شيء أساسي مثل العلاقة بين حجميهما».

في الواقع، كنت أتساءل وقتها إن كانت عيناي تخدعاني، وقد حاولت غلقهما وفتحهما وهز رأسي، لكن حجم الفيل ظل على حاله. لقد بدا كأنه تقلّص بالتأكيد؛ لدرجة أنني ظننت في البداية أن المدينة ربما اقتنت فيل جديد، أصغر. لكنني لم أسمع أي شيء عن هذا الأمر، ولم أكن لأفوِّت أي تقارير إخبارية تخص الفيلة. كان الإستنتاج الوحيد الممكن -لولم يكن هذا فيل جديد- أن الفيل القديم قد تقلّص لسبب أو لآخر. أثناء مشاهدتي، أصبح واضحًا بالنسبة لي أن هذا الفيل الأصغر لديه نفس حركات الفيل القديم. كان يدق الأرض بقدمه اليمنى بسعادة أثناء غسلها، وكان يربت ظهر الحارس بخرطومه الذي صار أنحل نوعًا.

كان مشهد غامض. أثناء النظر عبر فتحة التهوية، انتابني شعورٌ بأن نوع مختلف ومخيف من الزمن والمكان كان يتدفق عبر بيت الفيل. كما بدا لي أن الفيل والحارس استسلما بكل سرور لذلك النظام الجديد الذي كان يحاول الإستحواذ عليهما— أو الذي قد نجح جزئيًا في الإستحواذ عليهما.

عُمُومًا، ربما أكون قد راقبت المشهد في بيت الفيل لأقل من نصف ساعة. أُغلَقَت الأضواء في السابعة والنصف -مبكرًا عن المعتاد- وأحيط كل شيء بالظلام عند تلك النقطة. انتظرت في مكاني على أمل أن يعود الضوء مرًة أخرى، لكنه لم يعد قط.

كانت هذه آخر مرة رأيت فيها الفيل.

«أتعتقد إذًا أن الفيل ظل يتقلّص حتى أصبح صغيرًا بما يكفي للهرب من خلال القضبان، أو أنه تلاشى ببساطة في العدم. أهذا ماحدث؟».

قلت: «أنا لا أعرف. كل ما أحاول فعله هو استرجاع ذكرى ما رأيت بأم عيني، بأقصى قدر ممكن من الدقة. نادرًا ما أفكر فيما حدث بعد ذلك. الصورة البصرية التي لدي قوية للغاية، لدرجة أنه يستحيل عليّ عمليًا الذهاب لأبعد من ذلك».

كان هذا كل مايمكن أن أقوله عن اختفاء الفيل. ومثلما كنت أخشى، كانت قصة الفيل شديدة الخصوصية، ومكتملة جدًا في حد ذاتها، بحيث لا تصلح كموضوع حديث بين رجل وامرأة التقيا لتوهما. حل بنا الصمت بعدما انتهيت من سرد حكايتي. ماهو الموضوع الذي يمكن أن يفتحه أيًا منا بعد قصة عن فيل مختفي— قصة لم تترك ذيولًا تقريبًا لمزيد من المناقشة؟ أدارت أصبعها حول كأس الكوكتيل، وجلست أنا أعيد وأزيد في قراءة الكلمات التي طُبِعَت على قاعدة كأس السكوتش. لم يكن يجب أن أخبرها عن الفيل. لم تكن من نوعية القصص التي يمكن أن تحكيها بحرية لأي شخص.

تحدثَتْ بعد صمتٍ طويل: «اختفت قطتنا عندما كنت فتاة صغيرة، لكن هناك فرق بين اختفاء قط واختفاء فيل رغم ذلك».

«أجل، لا توجد مقارنة بالتأكيد، نظرًا لفرق الحجم».

بعد ثلاثين دقيقة، كنا نودع بعضنا خارج الفندق. تذكرَتْ فجأة أنها تركت مظلّتها داخل المشرب، فركبت المِصعد وجلبتها لها. كانت مظلة ذات لون أحمر طوبي بمِقبض كبير.

قالت: «شكرًا».

قلت: «طابت ليلتكِ».

تلك كانت آخر مرة رأيتها فيها. تحدثنا مرة على الهاتف بعد ذلك، عن بعض تفاصيل مقالها الدعائي. فكرت في دعوتها لتناول العشاء بينما نتحدث، لكني لم أقم بذلك. لم يبدو الأمر هامًا بطريقة أو بأخرى.

انتابني هذا الشعور كثيرًا بعد تجربتي مع الفيل المختفي. كنت أبدأ التفكير في رغبتي بالقيام بشيء، ثم أصبح عاجزًا عن تبيُّن النتائج المحتملة لفعل الشيء وعدم فعله. غالبًا ماكان ينتابني الشعور بأن الأشياء من حولي قد فقدت توازنها السليم، رغم أنه يمكن أن تصوراتي تخدعني. انهار نوع من التوازن بداخلي منذ قضية الفيل، وربما يسبب ذلك ظواهر خارجية، تصيب عيني بطريقة غريبة. ربما أنا السبب.

استمررت في بيع الثلاجات وأفران تحميص التوست وآلات إعداد القهوة في العالم البراجماتي، استنادًا إلى صور ضبابية لذكريات احتفظت بها من ذلك العالم. كلما حاولت أن أصبح أكثر براجماتية، كلما نجحت في البيع -حظت حملتنا بنجاح تجاوز أكثر توقعاتنا تفاؤلًا- وكلما نجحت في بيع نفسي لمزيدٍ من الناس. هذا ربما لأن الناس تبحث عن نوع من التناغم في المطابخ نعرفه جيدًا. تناغم التصميم، وتناغم اللون، وتناغم الآداء.

لم تعد الصحف تنشر أي شيء تقريبًا عن الفيل. يبدو أن الناس نست أن مدينتهم امتلكت فيل ذات يوم. العشب الذي استولى على سياج الفيل قد ذبُل الآن، والمنطقة تبعث في النفس إحساس الشتاء.

اختفى الفيل وحارسه تمامًا، ولن يعودا أبدًا.
» تابع القراءة

| 0 comments ]

القزم الراقص- قصة قصيرة لهاروكي موراكامي

أتى قزم إلى حلمي وطلب مني الرقص.

كنت أعرف أنه حلم، لكني كنت متعبًا في الحلم كماهو حالي في الواقع، فرفضت بكل أدب. لم يشعر القزم بالإهانة، لكنه رقص وحيدًا عوضًا عن ذلك.

وضع القزم فونوجراف محمول على الأرض ورقص مع الموسيقى، وكانت الاسطوانات متناثرة في جميع الأنحاء حول الفونوجراف. التقطت بعضها من عدة مواضع مختلفة. كانت تتألف من منوعات موسيقية حقيقية، كما لو أن القزم اختارهم وعينيه مغلقتين، ملتقطًا أيًا كان ماوقع تحت يده. ولم تكن أيًا من الاسطوانات في غلافها الصحيح. كان القزم قد أخذ الاسطوانات التي انتهى من سماعها بعيدًا عن القرص الدوار، ليلقي بهم في الكومة دون إعادتهم إلى أغلفتهم، وينسى أيهم مناسب لبعضه، ليضع بعد ذلك الاسطوانات في الأغلفة بشكل عشوائي. كانت هناك اسطوانة لفريق رولينج ستونز في غلاف لجلين ميلر، وأخرى لجوقة ميتش ميلر في غلاف أغنية دافنيز وكلوي لموريس رافييل.

لكن لم يبدو أن ايًا من هذه الفوضى كانت تهم القزم، كان راضٍ طالما يمكنه الرقص على الموسيقى، أيًا كان نوعها. في هذه اللحظة كان يرقص على أنغام اسطوانة لتشارلي باركر والتي كانت في غلاف بعنوان "اختيارات عظيمة" للجيتار الكلاسيكي. كان جسده يدور مثل إعصار، يمتص موجة النغمات الجامحة التي تدفقت من ساكسفون تشارلي باركر. كنت أشاهده يرقص وأنا آكُل العنب.

تصبب العرق منه. أرسلت كل تطويحة من رأسه قطرات عرق متطايرة من وجهه، وأطلقت كل حركة من ذراعه تيارات عرق من أنامله. لكن لاشيء يمكن أن يوقفه. وضعت صحن العنب أرضًا عندما انتهت الاسطوانة وقمت بوضع اسطوانة جديدة، وتأهب هو للبدء.

قلت له دامعًا: «أنت راقص عظيم. أنت الموسيقى ذاتها.»

أجاب بشيء من التكلف: «شكرًا لك.»

-«أترقص دائمًا بهذا الشكل؟.»

قال: «إلى حدٍ كبير.»

ثم قام القزم بدورة جميلة على أطراف أصابعه، فطار شعره الناعم، المموج في الريح. أثنيت عليه. لم يسبق لي أن رأيت رقصة مكتملة في حياتي. انحنى القزم احترامًا عند نهاية الأغنية. توقف عن الرقص وجلس لتجفيف عرقه. كانت الإبرة تنقر في الحز الداخلي للاسطوانة، فرفعت حاملها وأطفئت الفونوجراف. وضعت الاسطوانة في أول غلاف كان في متناول يدي.

رمقني القزم بنظرة عابرة وقال: «أعتقد أنك لاتملك وقتًا لسماع قصتي. إنها قصة طويلة.»

تناولت حبة عنب أخرى، غير متأكد من كيفية الإجابة. لم يكن الوقت مشكلة بالنسبة لي، لكني لم أكن بذلك الحرص على سماع قصة طويلة لحياة قزم. إلى جانب أن هذا كان حلم، يمكن أن يتبخر في أي لحظة.

بدلًا من انتظار إجابتي، شبك القزم أصابعه وبدأ بالكلام: «أنا من شَمال البلاد، وهم لايرقصون في الشَمال. لا أحد يعرف كيف، حتى أنهم لايدركون أنه شيء يمكنك القيام به. لكني كنت أرغب في الرقص. أردت أن أضرب الأرض بقدميّ وأحرك ذراعيّ، أهز رأسي وأدور حول نفسي. هكذا.»

ضرب القزم الأرض بقدميه، حرك ذراعيه، هز رأسه، ودار حول نفسه. كانت كل حركة بسيطة في حد ذاتها، لكن الجمع بين الحركات الأربعة كان يصنع حركة جميلة بشكل لايصدق، تنفجر من جسد القزم في كل مرة، ككُرة يتفجر منها الضوء.

-«أردت أن أرقص هكذا، ولهذا جئت إلى الجنوب. رقصت في الحانات. أصبحت مشهورًا، ورقصت في حضور الملك. كان هذا قبل الثورة بالطبع، فالملك وافته المنية بمجرد اندلاع الثورة كماتعلم، ونُفيت أنا من المدينة لأعيش في الغابة.»

ذهب القزم إلى منتصف الخلاء وبدأ في الرقص مرة أخرى. قمت بتشغيل الموسيقى. كان تسجيلًا قديمًا لفرانك سيناترا. رقص القزم وغنى "night and day" مع سيناترا. تخيلته يرقص جوار العرش، حيث الثُريات المتألقة والوصيفات الجميلات، الفواكة الغريبة والرماح الطويلة للحرس الملكي، الخصيان المهيبون والملك الشاب في رداء مرصع بالجواهر، القزم غارق في العرق لكنه يرقص بتركيز متواصل، وكما تخيلت المشهد الرائع، شعرت أن هدير مدفع الثورة سيتردد صداه في أي لحظة عن بُعد.

أكلت ثمار العنب بينما استمر القزم في الرقص. غطى غروب الشمس الأرض بظلال الغابات. عبرت الخلاء فراشة سوداء ضخمة بحجم طائر واختفت في أعماق الغابة. شعرت برعشة هواء المساء. علمت أن الوقت قد حان ليتوارى حلمي عن الأنظار.

قلت للقزم: «أعتقد أنني يجب أن أذهب الآن.»

توقف عن الرقص وأومأ في صمت.

قلت: «لقد استمتعت برؤيتك ترقص، شكرًا جزيلًا.»

قال القزم: «مرحبًا بك في أي وقت.»

فقلت: «ربما لانلتقي مجددًا، اعتني بنفسك.»

قال القزم: «لاتقلق، سوف نلتقي مجددًا.»

-«أأنت متأكد؟.»

قال مع فرقعة بأصابعه: «بالطبع. سوف تعود إلى هنا، سوف تعيش في الغابات، وسترقص معي يوميًا. وستصبح راقصًا جيدًا بدورك في وقت قصير.»

قلت مندهشًا: «كيف تعلم؟.»

فأجاب: «لقد تقدَّر، ولا أحد يملك القدرة على تغيير ماقد تقدَّر. إنني أعلم أننا سنلتقي مرة أخرى قريبًا.»

نظر القزم إلى وجهي مباشرةً وهو يتحدث. حوّله الظلام العميق للزرقة الغامقة للمياه في الليل.

قال القزم: «أراك عندها إذن.»

أعطى ظهره لي وبدأ في الرقص مجددًا، وحيدًا.

استيقظت وحدي. كان وجهي ملتصقًا في السرير، غارقًا في العرق. كان هناك طائر خارج نافذتي. بدا مختلفًا عن الذي اعتدت رؤيته هناك.

غسلت وجهي بعناية كبيرة، حلقت، وضعت بعض الخبز في المحمصة، وغليت الماء للقهوة. أطعمت القط، نظفت فضلاته، عقدت ربطة عنق، وربطت حذائي. ثم ركبت حافلة إلى مصنع الفيل.

غني عن القول أن صنع الأفيال ليس أمر يسير، فهي كبيرة، قبل أي شيء، وفي غاية التعقيد. إنها ليست مثل صنع دبابيس الشعر أو الأقلام الملونة. يغطي المصنع مساحة كبيرة، ويتألف من عدة مباني، وكل مبنى كبير بدوره، والأقسام مرمزة بالألوان. عُينت في قسم الأذن هذا الشهر؛ عملت في المبنى ذو السقف والوظائف الصفراء. خوذتي وسروالي كانا صفراوين أيضًا. كل مافعلت هناك كان صنع الآذان. في الشهر السابق عُينت في المبنى الأخضر، حيث ارتديت خوذة وسروال خضراوين وصنعت الرؤوس. نحن نتنقل من قسم لآخر كل شهر، مثل الغجر. أنها سياسة الشركة. بهذه الطريقة يمكن أن نشكل جميعًا صورة كاملة لما يبدو عليه الفيل. لم يكن يُسمح لأحد بقضاء حياته كلها في صنع الآذان مثلًا، أو الأظافر فقط. وضع المديرين التنفيذيين المخطط الذي يحكم تحركاتنا، ونحن نتبع المخطط.

صنع رؤوس الأفيال عملٌ مجز جدًا. إنه يتطلب عناية هائلة بالتفاصيل، وفي نهاية اليوم ستكون متعبًا للغاية لدرجة أنك لن تريد أن تكلم أحدًا. لقد فقدت 6 باوندات خلال العمل هناك لمدة شهر، لكنه منحني شعورًا هائلًا بالإنجاز. وبالمقارنة، فإن صنع الآذان يعد بسيطًا. أنت فقط تصنع هذه الأشياء الكبيرة، المسطحة، الرفيعة، تضيف إليهم بعضًا من التجاعيد، وتكون انتهيت. نحن ندعو العمل في قسم الأذن "أخذ استراحة الأذن". وبعد استراحة أُذن دامت شهرًا، أذهب إلى قسم الجذع، حيث العمل الشاق مرًة أخرى. الجذع يجب أن يكون مرنًا، ويجب ألا تتعارض خياشيمه مع طوله الكامل؛ وإلا، سيُصاب الفيل النهائي بالهياج. وهذا مايجعل صنع الجذع عملًا مرهق للأعصاب من البداية للنهاية.

نحن لانصنع الأفيال من لاشيء بالطبع. نحن نعيد تشكيلهم بمعنى أصح. في البداية رأينا فيل واحد مكون من ستة أجزاء مميزة: الأذنين، والجذع، والرأس، والبطن، والساقين، والذيل. هذا وقمنا بإعادة تجميع لإنتاج 5 أفيال، ممايعني أن كل فيل جديد ليس سوى خُمس حقيقي فقط وأربعة أخماس تقليد. هذا غير واضح للعين المجردة، ولا الفيل نفسه يدرك ذلك. نحن في غاية الكفاءة.

لماذا يجب علينا تصنيع -أو ينبغي أن أقول، إعادة تشكيل- الفيلة؟ لأننا أقل صبرًا بكثير مماهي عليه، فالفيلة، طِبقًا لطبيعتها، لاتضع سوى مولود واحد كل 4 أو 5 سنوات. ونظرًا لأننا نحب الفيلة، بطبيعة الحال، فإن انتظار رؤية هذا العُرف -أو السلوك المعتاد- يجعلنا نافذي الصبر. هذا مادفعنا لبدء إعادة تشكيلهم بأنفسنا.

لحماية الأفيال المعاد تشكيلها حديثًا ضد سوء الإستخدام، يتم بيعها في البداية لشركة توريد الفيل، المملوكة حصريًا للقطاع العام، حيث يبقوهم لمدة أسبوعين ويخضعوهم لمجموعة اختبارات عالية الدقة، تُختَم بعدها بختم قدم الفيل مع شِعار الشركة قبل أن يُطلق الفيل في الغابة. نحن نصنع 15 فيلًا في الأسبوع العادي. رغم أنه في موسم ماقبل الكريسماس يمكن أن نصل إلى 25 بتشغيل الآلات بأقصى سرعة. أعتقد أن 15 عدد كافي.

إن قسم الأذن هو أسهل مرحلة في عملية تصنيع الفيل كماذكرت سابقًا. إنه يتطلب مجهود بدني بسيط من جانب العمال، ولايستلزم تركيزًا وثيقًا، ولايتضمن آلية معقدة. كذلك عدد العمليات التي يشملها محدودة. يمكن للعُمّال إما العمل بوتيرة هادئة طيلة اليوم أو إجهاد أنفسهم للوفاء بحصتهم في الصباح ليكونوا أحرار بعد الظهر.

أفضل وشريكي في قسم الأذن النهج الثاني. نحن ننهي العمل في الصباح ونقضي بعد الظهيرة في التحدث أو القراءة أو تسلية أنفسنا بشكل منفصل. بعد ظهر اليوم عقب حلم القزم الراقص، كان كل ما علينا فعله هو تعليق 10 آذان مجعدة طازجة على الحائط، بعدها جلسنا على الأرض نستمتع بأشعة الشمس.

أخبرت شريكي عن القزم. تذكرت الحلم بتفاصيل حية ووصفت له كل شيء عنه، مهما كان تافهًا. وماكان وصفه صعبًا، شرحته بهز رأسي أو أرجحة زراعيّ أو النقر بقدميّ. استمع بهمهمات اهتمام متكررة وهو يحتسي الشاي. كان أقدم مني بخمس سنوات، زميل ذو بنية قوية مع لحية داكنة وميل للصمت. كان لديه هذه العادة من التفكير وذراعيه معقودين. يمكن أن تعتقد أنه مفكر جاد، وينظر للأمور من كل الزوايا، إذا حكمت من خلال تعبير وجهه، لكنه عادًة ماينهض بعد حين، ويقول: «هذه مسألة صعبة.» وليس أكثر.

لم يصبني هذا بخيبة أمل. لم أتوقع أن يقول أكثر ممايقول عادًة. كنت أريد فقط أن أخبر أحدهم عنه. أطفئت المنفاخ الكهربي وشربت الشاي الذي أصبح فاترًا.

رغم أنه استغرق في التفكير لوقت أطول ممايكرس عادًة لمثل هذه الأمور.

سألته: «في ماذا تفكر؟.»

-«أنا متأكد من أنني سمعت عن هذا القزم من قبل.»

الأمر الذي جعلني أجفل.

-«أنا فقط لا أستطيع تذكر من أخبرني عنه.»

رجوته: «حاول من فضلك.»

-«بالتأكيد.»

قالها، وعاد للتفكير مرًة أخرى.

استطاع أخيرًا تذكر مايعرفه عن القزم بعد ثلاث ساعات، عند غروب الشمس قرب موعد الإنصراف.

صاح: «وجدتها! العجوز من المرحلة السادسة! أنت تعرفه، الرجل الذي يغرس الشعر. هيا، أنت تعرفه، لديه شعر أبيض طويل يسترسل على كتفيه، لايكاد يملك أسنان. يعمل هنا منذ قبل الثورة.»

قلت: «نعم، لقد تذكرته.»

كنت قد رأيته في الحانة عدة مرات.

-«نعم، لقد أخبرني عن القزم منذ وقتٍ طويل، قال أنه كان راقص ماهر. لم أمنحه الكثير من الإهتمام، ظنًا أنه كان يهذي، لكني لا أعرف الآن. ربما لم يكن مجنونًا بعد كل شيء.»

-«إذًا، ماذا أخبرك؟.»

-«لست واثقًا يارفيق، فقد كان هذا منذ وقت طويل.» ثم عقد ذراعيه واستغرق في التفكير مرًة أخرى، لكنه كان ميئوسًا منه. اعتدل في جلسته بعد بُرهَة، وقال: «لا أستطيع أن أتذكر. اذهب واسأله بنفسك.»

ذهبت إلى منطقة المرحلة السادسة، بمجرد أن رن جرس الإنصراف، لكن لم يكن هناك إشارة على وجود الرجل. لم أجد سوى شابتين تكنسان الأرضية. أخبرتني الفتاة النحيفة أنه ربما ذهب إلى الحانة، حيث وجدته بالفعل، يجلس إلى المشرب معتدلًا، يشرب وبجانبه علبة غذائه.

كانت الحانة مكان قديم للغاية. كانت هناك منذ فترة طويلة قبل أن أولد، قبل اندلاع الثورة. منذ أجيال وحرفيوا الفيل يأتوا إلى هنا للشُرب، ولعب الروق، والغناء. اكتست الجدران بصور للأيام الخوالي في مصنع الفيل. هناك صورة لأول رئيس للشركة وهو يعاين نابًا، صورة لنجمة أفلام قديمة وهي تزور المصنع، صور التقطت لرقصات الصيف، أشياء من هذا القبيل. كان الحرس الثوري قد أحرق جميع صور الملك والعائلة الملكية وأي شيء آخر قد يعتبر ملكيًا. كانت هناك صور للثورة بالطبع، فالحرس الثوري يحتل المصنع ويفرض سيطرته على المدير.

وجدت الرجل يشرب الخمر تحت صورة قديمة، مشوهة، حملت عنوان "ثلاثة فتية يلمعون أنيابًا"، عندما جلست على المِقعد المجاور له، أشار إلى الصورة وقال: «هذا أنا.»

حدقت جيدًا في الصورة. اتضح أن الفتى الصغير على اليمين، البالغ من العمر اثني أو ثلاثة عشر عامًا، كان العجوز في شبابه. أنت لن تلاحظ التشابه من تلقاء نفسك، لكن بمجرد أن تُنبَّه له، يمكن أن ترى أن الإثنان لديهما نفس الأنف الحاد والشفاه المسطحة. يبدو أن العجوز دائمًا مايجلس هنا، وكلما لمح زبونًا غير مألوف، يقول: «هذا أنا.»

قلت، أملًا في حثه على الحديث: «يبدو أنها صورة قديمة بحق.»

فقال موضحًا: «أنها من أيام الثورة، حتى رجل عجوز مثلي كان لايزال طفلًا آنذاك. نحن جميعًا نشيخ رغم ذلك. أنت ستصبح مثلي قبل أن تلحظ. فلتنتظر فحسب ياعزيزي الصغير!»

كان ثرثارًا عظيمًا، يتناثر البصاق من فمه المفتوح الذي فقد نصف أسنانه.

ثم بدأ يحكي قصصًا عن الثورة. ومن الواضح أنه يكره كلًا من الملك والحرس الثوري. تركته يحكي كل ماشاء، وابتعت له زجاجة خمر أخرى، وعندما حانت الفرصة، سألته لو تصادف معرفته عن قزم راقص.

قال: «قزم راقص؟ أتود أن تسمع عن القزم الراقص؟»

-«أود ذلك.»

برقت عيناه في عيني، وسأل: «ولِم تريد أن تسمع عنه؟»

فكذبت: «لا أعرف. أخبرني أحدهم عنه، فبدى مثيرًا للإهتمام.»

ظل يتأملني بنظرة فاحصة، حتى عادت عينيه لنظرة النُعاس المميزة التي يملكها السكارى. قال: «حسنًا، لِم لا؟ لتشتري لي شرابًا. لكن بشرط،» قالها وهو يشير محذرًا، «لا تخبر أحدًا. جحيم الثورة كان منذ وقتٍ طويل، لكن لايزال من المفترض ألا نتحدث عن القزم الراقص. لذا، أيًا كان ما سأقول لك، فلتحتفظ به لنفسك، ولا تأتِ على ذكر اسمي. اتفقنا؟»

-«اتفقنا.»

-«فلتطلب لي شراب آخر الآن، ولنذهب للجلوس إلى طاولة.»

طلبت زجاجتين وأخذتهم إلى الطاولة، بعيدًا عن الساقي. كان هناك مصباح أخضر ذو شكل فيل فوق الطاولة.

قال العجوز: «حدث الأمر قبل الثورة، عندما أتى القزم من شمال البلاد. كان راقص في غاية العظمة! لا، لم يكن مجرد عظيم في الرقص، بل كان الرقص ذاته. لم يكن في استطاعة أحد مضاهاته. الرياح والضوء والعطر والظل، كانت كلها تتفجر بداخله. هذا القزم يمكنه فعل ذلك، أنت تعلم. كان شيء يمكن رؤيته.»

نقر زجاجته في أسنانه القليلة المتبقية.

سألته:  «هل رأيته يرقص فعلًا؟»

حدق الزميل العجوز في وجهي، باسطًا يديه على الطاولة:  «هل رأيته؟ بالطبع رأيته. كل يوم. هنا.»

- «هنا؟»

- «لقد سمعتني, هنا. كان يرقص هنا كل يوم، قبل قيام الثورة.»

وشرع العجوز يحكي كيف أن القزم سافر من شمال البلاد بلا مليمًا في جيبه. لقد لزم هذه الحانة، حيث تجمع عمال مصنع الفيل، وظل يؤدي وظائف غريبة، حتى أدرك المدير براعته في الرقص، فعيّنه للرقص بدوام كامل. تزمر العمال في البداية لأنهم كانوا يرغبون في راقصة، لكن هذا لم يدم طويلًا، فمع مشروباتهم في إيديهم، كانوا منومين فعليًا وهم يشاهدونه يرقص. ولم يكن يرقص مثل أي شخص آخر. كان يستطيع انتزاع مشاعر من جمهوره، مشاعر قلما خاضوها أو لم يعرفوا حتى أنهم ملكوها. كان يكشف هذه المشاعر لضوء النهار كما لو أنك تسحب أمعاء سمكة.

رقص القزم في هذه الحانة لما يقرب من نصف عام. فاض المكان بالزبائن الذين رغبوا في رؤيته يرقص. وكلما شاهدوه، كانوا يغمرون أنفسهم في سعادة مطلقة أو يتغلبون على حزن لاحدود له. وسرعان ما امتلك القزم القدرة على التحكم في مشاعر الناس بمجرد اختيار خطوة الرقص.

وصل الحديث عن القزم أخيرًا إلى مسمع رئيس مجلس النبلاء، كان على علاقة وثيقة بمصنع الفيل وتقع إقطاعيته بالقرب منه. من هذا النبيل -الذي اتضح أن الحرس الثوري اعتقله وألقى به حيًا في وعاء غراء مغلي- وصلت أخبار القزم إلى الملك الشاب. صمم الملك على رؤية رقص القزم لحبه للموسيقى. أرسل سفينة بشعار ملكي للحانة، وحمل الحرس الملكي القزم إلى القصر بكل تقدير واحترام. تلقى صاحب الحانة تعويضًا سخيًا عن خسارته. تذمر الزبائن لخسارتهم، لكنهم كانوا أكثر ذكاءً من التذمر من الملك، فأذعنوا لشرب البيرة والخمر وعادوا لمشاهدة رقصات الفتيات.

في الوقت نفسه، مُنِح القزم غرفة في القصر، حيث أعطاه الوصيفات حمامًا وألبسنه الحرير وعلمنه الأصول القويمة للمثول أمام الملك. وفي الليلة التالية، اقتُيد إلى القاعة الكبيرة، حيث جلست فرقة الملك متأهبة لعزف موسيقى البولكا التي ألفها الملك نفسه. رقص القزم على ألحان البولكا بهدوء في البداية، كما لوكان يسمح لجسمه باستيعاب الموسيقى، ثم زاد من سرعة رقصه تدريجيًا حتى صار يدور بقوة إعصار. شاهده الناس لاهثي الأنفاس. لم ينبس أحد ببنت شفه. سقط عدد من السيدات النبيلات على الأرض مغشيًا عليهن، ومن يد الملك، سقط قدح كريستالي يحتوي على نبيذ بغبار الذهب، لكن أحدًا لم ينتبه لصوت تحطمه.

عند هذه النقطة من القصة، وضع العجوز زجاجته على الطاولة ومسح فمه بظهر يده، ثم مد يده للمصباح ذو شكل الفيل وبدء يعبث به. أردته أن يتابع، لكنه لزم الصمت لبضع دقائق. ناديت الساقي وطلبت المزيد من البيرة والخمر. كانت الحانة تزدحم ببطئ، وعلى المسرح، وقفت مغنية شابة تضبط جيتارها.

سألته: «ثم ماذا حدث؟»

قال: «ثم؟ ومن ثم قامت الثورة، وقُتِل الملك، وفر القزم هربًا.»

أسندت مرفقيّ على الطاولة، رفعت قدحي وشربت جرعة بيرة كبيرة. نظرت للعجوز وسألت: «أتعنى أن الثورة حدثت فقط بعدما دخل القزم القصر؟»

-«لم تقم بعد وقت طويل، بل حدثت بعد عام تقريبًا، كما أظن.»

ثم تشجأ العجوز بقوة.

قلت: «أنا لم أفهم، في البداية، قلت أنه لم يكن من المفترض أن تتحدث عن القزم. لماذا؟ أيوجد رابط ما بين القزم والثورة؟»

-«أنت من دفعني للحديث عن الأمر. رغم أنه يوجد شيء واحد مؤكد، وهو أن الحرس الثوري أراد القبض على ذلك القزم لتهمة فظيعة، ولازالوا. أن الثورة قصة قديمة بالفعل، لكنهم مازالوا يبحثون عن قزم الرقص. وحتى مع ذلك، لا أعرف الصِلة بين القزم والثورة. لم نسمع سوى شائعات.»

-«أي نوع من الشائعات؟»

أمكنني رؤية أنه كان يواجه صعوبة في تحديد ما إذا كان سيخبرني المزيد. أخيرًا قال: «الشائعات مجرد شائعات، لن تعرف أبدًا ماهي الحقيقة، لكن بعض الناس قالوا أن القزم استخدم نوع من القوة الشريرة على القصر، وهذا ماتسبب في قيام الثورة. هذا كل ما أعرفه عن القزم على أية حال، لا أكثر ولا أقل.»

أطلق العجوز زفرة طويلة، ثم تجرع زجاجته في دفعة واحدة. سال السائل الوردي من شدقيه، وتساقط على ياقة قميصه البيضاء.

لم أحلم بالقزم مرة أخرى. ذهبت إلى مصنع الفيل كل يوم كالمعتاد واستمررت في صنع الآذان، تليين أذنًا بالبخار أولًا، ثم تسطيحها بالملزمة، واقتطاع خمسة آذان، ثم إضافة المكونات لعمل خمسة آذان كاملة الحجم، وتجفيفهم، وأخيرًا، إضافة التجاعيد. عند الظهر، آخذ استراحة مع زميلي لتناول الغذاء والحديث عن الفتاة الجديدة في المرحلة الثامنة.

كان هناك الكثير من الفتيات يعملن في مصنع الفيل، تخصص أغلبهن في وصل الجهاز العصبي أو ماكينة الخياطة أو التنظيف. نحن نتحدث عنهن كلما حظينا بوقت فراغ، وكلما حظين بوقت فراغ، تحدثن عنا.

قال زميلي: «أنها فتاة رائعة الجمال، يرغب بها كل الشباب، لكن لم يحظى بها أحد حتى الآن.»

سألت: «أيمكن أن تكون بهذا الجمال حقًا؟»

كان لدي شكوكي. في كل مرة أذهب لأرى "الشيء المثير"، يتضح أنه لاشيء. كانت هذه الشائعة من النوعية التي لايمكن أن تثق بها أبدًا.

قال: «بلاشك، اذهب لتعاينها بنفسك، ولو لم تعتقد أنها جميلة، فاذهب إلى المرحلة السادسة واحصل على عينان جديدتان. أتمنى لولم أكن متزوجًا. كنت سأحظى بها، أو أموت وأنا أحاول.»

انتهت استراحة الغذاء تقريبًا، لكن كالعادة، لم يتبق لقسمي أي عمل تقريبًا لبعد ظُهر اليوم، لذا، لفقت عُذرًا، لأذهب للمرحلة الثامنة. للذهاب إلى هناك، يجب أن تعبر نفق طويل تحت الأرض. كان هناك حارس عند مدخل النفق، لكنه يعرفني من قبل، فلم أواجه مشكلة في العبور.

أفضت نهاية النفق إلى ضفة نهر، وكان مبنى المرحلة الثامنة يقع قرب مجراه. كان كلًا من السطح والمدخنة ورديين. تصنع المرحلة الثامنة الساقين. عملت هناك سابقًا لمدة أربعة أشهر فقط، فعرفت التصميم جيدًا. رغم أن الحارس الشاب عند المدخل كان مستجد لم أره من قبل.

سألني: «ماهو عملك؟»

بدا في زيه المجعد مثل نوعية الموظف الجديد النمطي، عازمٌ على فرض النظام.

قلت وأنا أتنحنح: «لقد نفذت منا كابلات العصب، وقد جئت لاستعارة البعض.»

قال محدقًا في زيي: «هذا غريب، أنت من قسم الأذن، والكابلات من قسميّ الأذن والساق لاينبغي أن تكون قابلة للتبديل.»

-«حسنًا، سأحاول أن ألخص لك الأمر. كنت أخطط في الأساس لاقتراض كابل من قسم الجذع، لكن لم يكن لديهم أي فائض. وكان كابل الساق لديهم نافذًا؛ فقالوا أنهم سيمنحوني كابلًا من النوع الجيد، لو جلبت لهم بكرة من كابل الساق، وعندما اتصلت بمبناكم، قالوا أن لديهم كابل ساق إضافي، ولهذا السبب أنا هنا.»

عصر الحارس ذاكرته، وقال: «لم أسمع أي شيء يخص هذا الأمر، هذه الأمور من المفترض أن تكون مرتبة مسبقًا.»

-«هذا غريب، فقد رتبت الأمر بالفعل، لابد أن أحدهم أخطأ. سأخبر الرجال بالداخل أن يصوبوا الخطأ.»

وقف الحارس يتذمر في مطرحه فحسب. حذرته أنه يبطئ الإنتاج بهذا الشكل وأنني أحمله مسؤولية لو أن أحدهم في الطابق العلوي أزعجني. أخيرًا سمح لي بالدخول وهو لايزال يتذمر.

تقع المرحلة الثامنة -قسم الساق- في مبنى منخض، فسيح؛ مكان ضيق، طويل، ذو أرضية رملية غائرة جزئيًا. يصير نظرك في الداخل بمستوى الأرض، وتغدوالنوافذ الزجاجية الضيقة المصدر الوحيد للضوء. تدلت من السقف قضبان كانت تنقل عشرات من سيقان الفيلة. لو أمعنت النظر إليهم، سيبدو الأمر وكأن قطيع كبير من الفيلة يحلق قادمًا من السماء.

لم يكن القسم كله يحوي سوى 30 عاملًا، رجال ونساء. ارتدى جميعهم قبعات وأقنعة ونظارات واقية، فكان مستحيل في العتمة معرفة أيهم الفتاة الجديدة. ميزت شابًا اعتدت العمل معه وسألته أين يمكنني العثور عليها.

قال: «أنها الفتاة التي تلصق الأظافر عند الطاولة رقم 15، لكن دعك من الأمر لو كنت تخطط للتقرب منها، فهي صلبة كالمسامير. لافرصة لديك.»

قلت: «شكرًا على النصيحة.»

كانت الفتاة عند الطاولة 15 صغيرة وضئيلة. بدت كصبي في لوحة للقرون الوسطى.

قلت لها: «معذرًة.»

تطلعت إلي، إلى زيي، إلى حذائي، ثم إلى وجهي مرًة أخرى. ثم خلعت قبعتها ونظاراتها الواقية. كانت جميلة بشكل لايصدق. كان شعرها طويل ومجعد، وكانت عيناها عميقة كالمحيط.

-«نعم؟»

-«كنت أتساءل لو كنتِ ترغبين في الخروج معي للرقص ليلة غد السبت. لو كنتِ متفرغة.»

-«حسنًا، أنا متفرغة ليلة الغد، وسأذهب للرقص، لكن ليس معك.»

-«ألديكِ موعد مع شخص آخر؟»

قالت: «إطلاقًا.»

ثم ارتدت نظاراتها وقبعتها مجددًا، التقطت ظفر فيل من فوق طاولتها، وأودعته داخل تجويف الأظافر في إحدى الأقدام، تتحقق من ملاءمته. كان الظُفر عريضًا قليلًا، فقامت ببرده ببضع حركات سريعة.

قلت: «هيا، فلترافقيني، لو لم يكن لديكِ موعد. هذا أكثر مرحًا من الذهاب وحيده. وأنا أعرف مطعمًا جيدًا يمكن أن نذهب إليه.»

-«هذا جيد، لكني أريد أن أرقص وحدي. إن أردت الرقص أيضًا، فلن يمنعك شيء عن المجيء.»

فقلت: «سوف آتي.»

قالت: «هذا عائدٌ لك.»

واصلت العمل، متجاهلًة إياي. حشرت الآن الظُفر داخل التجويف في مقدمة القدم. كان مناسبًا تمامًا هذه المرة.

قلت: «جيد جدًا بالنسبة لمبتدئة.»

لم تجبني.

في تلك الليلة، أتى القزم إلى حلمي مرة أخرى، ومرة اخرى كنت أعرف أنه حلم. كان يجلس فوق جذع في وسط الخلاء في الغابة، يدخن سيجارة. هذه المرة لم يكن معه الفونوجراف ولا الاسطوانات. كانت هناك علامات إرهاق على وجهه جعلته يبدو أكثر تقدمًا في العمر مما كان عندما رأيته أول مرة، رغم أنه لايمكن ظنّه شخص وُلِد قبل الثورة في كل الأحوال. بدا أكبر مني بعامين أو ثلاثة أعوام تقريبًا، لكن الجزم كان صعبًا. هذه هي الحال مع الأقزام.

لم أجد شيء أفضل للقيام به، فتمشيت حول القزم، ناظرًا للسماء، وفي النهاية جلست بجانبه. كانت السماء رمادية وملبدة بالغيوم، وقد انجرفت الغيوم السوداء غربًا. ربما تهطل الأمطار في أي وقت، وربما وضع القزم الفونوجراف والاسطوانات بعيدًا ليقيهم الأمطار.

قلت للقزم: «مرحبًا.»

فأجاب: «مرحبًا.»

سألته: «لن ترقص اليوم؟»

فقال: «لا، ليس اليوم.»

كان القزم يبدو كمخلوق ضعيف، حزين، عندما لم يكن يرقص. أنت لن تعتقد أبدًا أنه كان رمز الفخر للسلطة في القصر الملكي.

قلت: «تبدو مريضًا نوعًا.»

فأجاب: «أنا مريض بالفعل. يمكن أن تصبح الغابات في غاية البرودة، وعندما تعيش وحيدًا لفترة طويلة، تبدأ أشياء مختلفة في التأثير على صحتك.»

قلت: «هذا رهيب.»

-«أحتاج إلى الطاقة. أحتاج إلى مصدر جديد للطاقة يسري في عروقي، الطاقة التي ستمنحني القدرة على الرقص والرقص، لتبللني الأمطار دون أن أصاب بالبرد، لأركض خلال الحقول والتلال. هذا ما أحتاج إليه.»

قلت: «يا إلهي.»

جلسنا فوق الجذع لفترة طويلة، لاننبس بكلمة. سمعت الريح تداعب فروع الأشجار من فوقي، ورفرفت فراشة ضخمة بين جذوع الأشجار واختفت.

قال: «لاتهتم، المهم أنك أردت أن أقضي لك حاجة.»

-«حقًا؟»

لم يكن لدي فكرة عمايتحدث عنه.

التقط القزم فرع شجرة ورسم به نجمة على الأرض، ثم قال: «الفتاة، أنت تريد الفتاة، أليس كذلك؟»

يقصد الحسناء الجديدة في المرحلة الثامنة. تعجبت لأنه كان يعرف الكثير، لكن كل شيء جائز في الأحلام.

-«أريدها بالتأكيد، لكن لا أستطيع أن أطلب منك مساعدتي في الحصول عليها، فلابد أن أفعلها بنفسي.»

-«لاتستطيع.»

-«ما الذي يجعلك متأكدًا من ذلك؟»

قال: «أنا متأكد. يمكن أن تغضب، لكن الحقيقة أنه لايمكن أن تفعل ذلك بنفسك.»

فكرت أنه ربما يكون محقًا، فقد كنت شخصًا عاديًا، لا أملك مايجعلني فخورًا -لامال، ولا مظهر جيد، ولاحتى أسلوب مميز في الحديث- لا شيء مميز على الإطلاق. في الواقع، لم أكن رجلًا سيئًا، وكنت أعمل بجِد، والناس في المصنع يحبونني. كنت قويًا وبصحة جيدة. لكني لم أكن الشخص الذي يثير جنون الفتيات من أول نظرة. كيف يمكن لشاب مثلي أن يأمل في الحصول على فتاة بهذا الجمال؟

همس القزم قائلًا: «قد ينجح الأمر، لو تركتني أساعدك.»

-«تساعدني؟ كيف؟»

كان قد أثار فضولي.

-«عن طريق الرقص. إنها تحب الرقص، أرِها أنك راقص جيد وسوف تصبح لك، بعدها لن تفعل سوى الوقوف تحت الشجرة وانتظار الثمرة لتسقط بين يديك.»

-«أتعني أنك ستعلمني الرقص؟»

قال: «لامانع لدي، لكن لن يفيدك يوم أو اثنان من الممارسة. الأمر يتطلب 6 أشهر على الأقل من التدريب المتواصل. هذا مايلزم لتأسر قلب أحدهم بالرقص.»

هززت رأسي قائلًا: «لافائدة إذن، فلو انتظرت لستة أشهر، سيحصل عليها رجل آخر بالتأكيد.»

-«متى ستذهب للرقص؟»

-«ليلة غدٍ السبت. ستذهب لقاعة الرقص، وسأطلب منها مراقصتي.»

استخدم القزم الفرع لرسم عدة خطوط عمودية على التراب، ثم وصلهم بخط أفقي، ليصنع تخطيط غريب. تابعت حركة يده في صمت. بصق القزم عُقب سيجارته على الأرض وسحقه بقدمه، ثم قال: «هناك طريقة لإتمام الأمر، لوكنت تريدها حقًا. أنت تريد الفتاة، أليس كذلك؟»

-«بالطبع أريدها.»

-«وتريدني أن أخبرك كيف يمكن إتمام الأمر؟»

-«من فضلك، أريد أن أعرف.»

-«الأمر في غاية البساطة، ماعلي سوى الولوج بداخلك، واستخدام جسدك للرقص. أنت قوي وبصحة جيدة؛ فلابد أنك قادر على آداء رقصة صغيرة.»

قلت: «أنا بأفضل حال، لكن أيمكنك حقًا فعل شيء كهذا، الولوج بداخلي والرقص؟»

-«بالطبع، وأضمن لك أنها ستكون ملكك. وليس هي فقط، بل يمكنك الحصول على أي فتاة.»

لعقت شفتيّ مفكرًا. الفكرة أفضل من أن تكون حقيقة. لو تركت القزم يلج بداخلي، فربما لايخرج أبدًا، وقد يستولي على جسدي. بقدر ماكنت أرغب بالفتاة، لم أكنت مستعدًا لترك هذا يحدث.

قال، كأنه قرأ أفكاري: «أنت خائف، لأنك تظن أني سوف أستحوذ على جسدك.»

قلت: «لقد سمعت عنك أشياء.»

-«أفترض أنها أشياء سيئة.»

-«أجل، أشياءٌ سيئة.»

قال وهو يبتسم بخبث: «لاتقلق. ربما أملك قوى، لكني لا أستطيع امتلاك جسد أحدهم للأبد. الإتفاق سلفًا مطلوب، ولا أستطيع فعل ذلك مالم يتفق الطرفان. أنت لا تريد أن تفقد جسدك للأبد، صحيح؟»

قلت وقد أصابتني الفكرة بقشعريرة: «لا، بالطبع لا.»

رفع القزم سبابته قائلًا: «ولا أريد مساعدتك في الحصول على فتاتك بلا تعويض من أي نوع، لكني سأفعلها بشرط، وهو ليس صعبًا، لكن الشرط نور.»

-«وماهو؟»

-«سوف أدخل جسدك، ونذهب إلى قاعة الرقص. تطلب منها الرقص معك وتأسرها برقصك، ثم تصبح لك. لكن غير مسموح لك أن تتفوه بكلمة من البداية للنهاية. لايمكن أن تصدر صوتًا حتى تنجح في الحصول عليها. هذا هو شرطي الوحيد.»

قلت محتجًا: «وكيف يفترض أن أغريها، دون التفوه بكلمة واحدة؟»

قال القزم وهو يهز رأسه: «لاتقلق، يمكنك الحصول على أي امرأة دون فتح فمك، مادمت أرقص لك. لذلك، ومن الوقت الذي تطئ فيه قاعة الرقص وحتى اللحظة التي تجعلها فيها حبيبتك، ممنوع استخدام صوتك على الإطلاق.»

-«ولو استخدمت صوتي؟»

قال كما لوكان أمرًا بديهيًا: «عندها يصبح جسدك ملكًا لي.»

-«ولو نفذت الشروط بالكامل دون إصدار صوت؟»

-«وقتها، تصبح الفتاة لك، وأغادر جسدك عائدًا للغابة.»

تنهدت في حسرة. ماذا كان يجب أن أفعل؟ وبينما كنت أتصارع مع السؤال، خط القزم مخطط غريب آخر على الأرض. أتت فراشة وحطت في وسطه بالضبط. أعترف أنني كنت خائفًا. لم أصرح على الفور بأنني سأكون قادرًا على الصمت من البداية للنهاية، لكني علمت أنها كانت الطريقة الوحيدة لأحتضن تلك الفتاة الرائعة بين ذراعيّ. تذكرتها في المرحلة الثامنة، تثبت أظافر الفيلة. كان لابد أن أحصل عليها.

قلت أخيرًا: «حسنًا، سوف أنفذ طريقتك.»

فقال القزم: «أحسنت، وهذا اتفاق بيننا.»

تقع قاعة الرقص بجانب بوابة المصنع الرئيسية، وتكون مقتظة دائمًا في ليلة السبت بالرجال والنساء الذين يعملون في مصنع الفيل. تقريبًا كل العمال المتفرغين، رجال ونساء، يأتون إلى هنا للرقص والشرب والتحدث مع أصدقائنا، بينما ينسل الأزواج في النهاية للخارج لممارسة الحب في الغابة.

همس القزم بداخلي: كيف فوّت هذا! هذا كل مايعنيه الرقص؛ الحشد، والمشروبات، والأضواء، ورائحة العرق، وعطر الفتيات. كلها أشياء تعيدني للأيام الخوالي!

شققت الحشد، باحثًا عنها. ربت على كتفي الأصدقاء الذين لاحظوا وجودي، ونادوني، لكني كنت أرد عليهم بابتسامة ودودة واسعة ولا أقول شيئًا. بدأت الفرقة بالعزف منذ مدة، ولايزال أثرها معدومًا.

قال القزم: لاتتعجل، لايزال الليل في بدايته، ولديك الكثير لتتطلع إليه.

كانت ساحة الرقص عبارة عن دائرة كبيرة آلية، تدور ببطئ، بينما اصطفت المقاعد والطاولات في صفوف حول حافتها الخارجية. فوق الساحة تدلت ثريا كبيرة من السقف المرتفع، بينما انعكس بريق خشب الأرضية النقي اللامع مثل طبقة ثلجية. خارج الدائرة ارتفع مسرح الفرقة، مثل مدرجات الملاعب. اصطفت فوق المسرح فرقتين تعزفان بالتناوب كل 30 دقيقة، تقدمان موسيقى الرقص الخصبة كل مساء دون انقطاع. تميزت الفرقة اليمنى بمجموعتين كاملتين من الطبول، وحملت جميع سترات أعضاءها شعار الفيل الأحمر ذاته. عامل الجذب الرئيسي للفرقة اليسرى كان عشرة أعضاء يعزفون الترومبون، وارتدت هذه الفرقة أقنعة فيل خضراء.

وجدت مقعدًا وطلبت بيره، أرخيت ربطة عنقي وأشعلت سيجارة. اقترب فتيات قاعة الرقص، اللاتي يرقصن مقابل المال، من مائدتي ودعوني للرقص، لكني تجاهلتهن. جلست واضعًا يدي على خدي، أرتشف من البيره، في انتظار الفتاة.

مرت ساعة، ولم تظهر الفتاة بعد. عَبَرَ موكب للأغاني ساحة الرقص، احتوى على راقصو فالس وفوكستروت، وقارعو طبول، وعازفي بوق. بدأت أشعر أنها ربما كانت تلعب بي، أنها لم تكن تنوي المجيء إلى هنا للرقص.

همس القزم: لاتقلق، سوف تأتي. فقط استرخ.

تخطت عقارب الساعة التاسعة قبل أن تظهر على باب قاعة الرقص. كانت ترتدي فستان ضيق لامع من قطعة واحدة وحذاء أسود بكعب عالي. بدت قاعة الرقص بأكملها مستعدة لأن تفقد الوعي، فقد كانت متألقة ومثيرة للغاية. رصدها الرجال وتوافدوا عليها، يقدمون أنفسهم كمرافقين، لكنها كانت تعيدهم إلى الحشد، بحركة واحدة من يدها.

تابعت حركاتها بينما كنت أرشف البيرة، جَلَسَتْ إلى طاولة في الجانب الآخر من ساحة الرقص، طلبت كوكتيل أحمر اللون وأشعلت سيجارة طويلة. لم تقرب الشراب تقريبًا، وعندما أنهت السيجارة، سحقتها، دون أن تشعل أخرى. ثم قامت وسارت نحو ساحة الرقص، ببطء، مع استعداد لاعتلاء منصة الرقص العالية.

رقصت وحيدة، ولمّا انتقلت الفرقة لعزف التانجو، تحركت مع الموسيقى برشاقة ساحرة، وكلما انحنت، اكتسح شعرها الطويل الأسود المجعد الأرضية مثل الريح، أصابعها النحيلة تنقر أوتار القيثارة الخفية الطافية في الهواء. رقصت بنفسها، لنفسها، بحرية تامة. لم أستطع الإشاحة بنظري بعيدًا عنها. شعرت كأني لا أزال أحلم. بدأت أشعر بالحيرة، لو كنت أستخدم حلم لتحقيق آخر، فأين الحقيقة وسط كل هذا؟

قال القزم: إنها راقصة عظيمة، تستحق أن تقوم بالأمر مع شخص مثلها. لنذهب لها.

قمت وأنا لا أكاد أشعر بخطواتي، وغادرت طاولتي إلى ساحة الرقص. تدافع في طريقي عدد من الرجال، وقفت بجانبها ونقرت بكعبيّ إشارة للآخرين على نيتي للرقص. ألقت نظرة علي وهي تدور، فابتسمت لها ولم تبادلني الإبتسامة. بدلًا من ذلك، استغرقت في الرقص وحدها.

بدأت بالرقص، ببطء في البداية، لكني أسرعت تدريجيًا حتى أصبحت أرقص مثل زوبعة. لم يعد جسدي ينتمي لي. ذراعيّ، وساقيّ، ورأسي، تحركوا كلهم بعنف على ساحة الرقص وكأن لاصلة لهم بأفكاري. تركت نفسي للرقص، وكل حين كنت أسمع بوضوح عبور النجوم، وتغيرات المد والجزر، وحركات الرياح. كان هذا المعنى الحق للرقص. نقرت بقدميّ، وأرجحت ذراعيّ، وطوحت رأسي، ودُرت. كُرة من الضوء الأبيض انفجرت داخل رأسي بينما كنت أدور وأدور.

رمقتني مرة أخرى، وفي اللحظة التالية كانت تدور وتضرب الأرض بقدميها معي، فأدركت أن الضوء تفجر بداخلها هي الأخرى. كنت سعيدًا. لم أكن بهذه السعادة قط.

قال القزم: هذا أكثر متعة من العمل في مصنع الفيل، أليس كذلك؟

لم أجِبه. كان فمي جافًا للغاية، ولم أكن لأستطيع التحدث لو حاولت.

استغرقنا في الرقص ساعة تلو الأخرى، وكنت أقود الرقصات، وتتبع خطاي. بدا الوقت كأنه سيستمر للأبد. في النهاية تَوَقَّفَتْ عن الرقص، بدت منهكة تمامًا. اصطحبتني من ذراعي، فتوقفت أنا الآخر -أو ينبغي أن أقول القزم- عن الرقص. وقفنا في منتصف ساحة الرقص نحدق في عيني بعضنا البعض. انحنت لتخلع كعبيها العاليين، وبينما تدَلّيًا من يدها، واصلت النظر إلى مرًة أخرى.

غادرنا قاعة الرقص وسرنا بمحاذاة النهر، ولم يكن لدي سيارة، فظللنا نمشي ونمشي. سرعان ما بدأ الطريق صعوده التدريجي نحو التلال. صار الهواء معبقًا بعطر زهور الليل البيضاء الوارفة. اِلْتَفَتْتُ لأرى الأشكال المظلمة للمصنع تنتشر من حوله، بينما تَسَرَّبَ ضوء أصفر من قاعة الرقص إلى المناطق المحيطة بها مثل الكثير من حبوب اللقاح، وكانت أحدى الفرقتين تعزف لحن القفز. كانت الريح ناعمة، وبدا ضوء القمر كأنه صبغ شعرها.

لم يتحدث أيًا منا، فبعد رقص مثل هذا، لم يعد هناك حاجة لقول أي شيء. تشبثت بذراعي مثل شخص أعمى يقوده أحدهم على طول الطريق.

أفضى الطريق فوق قمة التلة إلى حقل مفتوح مُحاط بغابات الصنوبر. بدت المساحة الواسعة مثل بحيرة هادئة، وبدا الحقل المكسو بالعشب الطويل كأنه يرقص في رياح الليل، وفي أنحاءه شقت أزهار مشرقة طريقها إلى ضوء القمر، تنادي الحشرات.

قدتها إلى وسط الحقل المعشوشب، واضعًا ذراعي حول كتفيها، حيث أجلستها على الأرض، دون كلمة واحدة. قالت وهي تبتسم: «أنت لاتتحدث كثيرًا.» وقذفت بحذائها بعيدًا ولفت ذراعيها حول عنقي. طبعتُ قبلة على شفتيها ورجعت إلى الخلف، لأتأمل وجهها ثانيًة. كانت جميلة، جميلة كحلم. لازلت لا أصدق أنني أحتويها بين ذراعيّ الآن. أغلقت عينيها، في انتظاري لأقبلها مرة أخرى.

كان هذا عندما بدأ وجهها يتغير. شيء أبيض سمين تسلل خارج إحدى فتحتي أنفها. كان يرقة، يرقة ضخمة في الواقع، أكبر من أي يرقة رأيها من قبل. ثم توالى خروج اليرقات من كلا فتحتي أنفها، وأحاطت بنا رائحة الموت فجأة. كانت اليرقات تسقط من فمها على عنقها، وتزحف عبر عينيها وتختبئ في شعرها. انزلق جلد أنفها، وذاب اللحم من تحته حتى لم يتبق سوى ثقبين أسودين. كافحت المزيد من اليرقات لتخرج منهما، وتلطخت أجسادهم البيضاء الشاحبة باللحم المتعفن الذي أحاط بهم.

بدأ القيح يتدفق من عينيها، وسببت قوته الطاغية تشنج مقلتيها، ثم سقوطهما وتدليهما على جانبي وجهها. في محجريها الغائرين، تدفقت كتلة يرقات كبكرة خيطٍ أبيض في دماغها العفن. تدلى لسانها من فمها مثل بزاق ضخم، ثم تقيح وسقط. ذابت لثتاها، وسقطت أسنانها البيضاء واحدة تلو الأخرى، وسرعان ماسقط الفم نفسه. تدفق الدم من جذور شعرها، ثم سقط الشعر كله. من تحت فروة الرأس اللزج، شق المزيد من الحشرات طريقهم أكلًا حتى السطح. كبلتني الفتاة بذراعيها، ولم ترخي قبضتها أبدًا. كافحت عبثًا لتحرير نفسي، لأحمي وجهي، لأغلق عينيّ. ارتفعت كتلة يابسة من معدتي لتصل إلى حلقي، لكن لم أستطع تقيؤها. شعرت كما لو أن جلدي قد انقلب. وفي أذني، دوت ضحكة القزم.

استمر وجه الفتاة في الذوبان حتى انفتح فكها بفرقعة مفاجئة، كأنما باغته التشوه المفاجئ للعضلات، وانطلقت كُتل اللحم الذائب والصديد واليرقات في كل الإتجاهات.

كتمت أنفاسي لأمنع صرخة من الخروج. أردت أن يسحبني أحد -أي أحد- بعيدًا عن هذا الجحيم الثقيل. لم أصرخ في النهاية، رغم كل شيء. قلت لنفسي أن هذا لايمكن أن يحدث. أدركت بالحِدس تقريبًا، أن هذا لايمكن أن يكون حقيقي. القزم يفعل هذا، إنه يحاول خداعي، يحاول أن يجعلني أستخدم صوتي. صوتٌ واحد ويملك جسدي للأبد. هذا تمامًا مايريد.

أدركت الآن مايجب علي فعله. أغلقت عينيّ -بلا أدنى مقاومة هذه المرة- وتمكنت من سماع الريح تتحرك عبر الحقل المعشوشب. كانت أصابع الفتاة تنقر ظهري. لففت ذراعيّ حولها وضممتها إلي بكل ما أوتيت من قوة، طابعًا قبلة على اللحم المتقيح حيث بدا لي موضع فمها. أمكنني الشعور باللحم الزلق وكتل اليرقات على وجهي، وتعبقت أنفي برائحة عفنة، لكن هذا لم يستغرق سوى لحظة. عندما فتحت عيني، وجدتني أقبل الفتاة الجميلة التي أتيت معها، ووجنتيها الورديين يتوهجان في ضوء القمر الخافت. عرفت أنني قد هزمت القزم، وقد هزمته دون إصدار أي صوت.

قال القزم بصوتٍ منهك: أنت الفائز. الفتاة لك. أنني أغادر جسدك الآن. وقد غادر بالفعل.

تابع القزم: «لكنك لم ترى كل مالدي. يمكن أن تربح مِرارًا، لكن لايمكن أن تخسر سوى مرة. عندها تكون نهايتك وسوف تخسر. هذا اليوم يوشك على المجيء. سأكون في الإنتظار، بغض النظر عن الوقت الذي يستغرقه.»

صِحت فيه: «لماذا يجب أن يكون أنا؟ لماذا لايمكن أن يكون شخص آخر؟»

لكنه لم يرد، فقط ضحك وتطاير صوت ضحكه في الهواء حتى ذرته الرياح بعيدًا.

كان القزم محقًا في النهاية. كل شرطي في المنطقة يبحث عني الآن. شخص ما رآني أرقص -ربما العجوز- أبلغ السلطات أن القزم كان يرقص داخل جسدي. بدأت الشرطة في مراقبتي، واستدعوا كل معارفي للإستجواب، وشهد شريكي أنني أخبرته عن قزم الرقص من قبل. صدر أمر باعتقالي، وحاصرت الشرطة المصنع. أتت الفتاة الجميلة من المرحلة الثامنة لتحذرني سرًا. هربت من القسم وهرعت إلى المجمع حيث يتم تخزين الفيلة المنتهية. فررت إلى الغابة، متشبثًا بمؤخرة أحدهم، ساحقًا عدد من رجال الشرطة في طريقي.

مر مايقرب من شهرالآن، وأنا أهرب من غابة لأخرى، ومن جبل لآخر، أقتات على التوت والحشرات، وأشرب المياه من النهر لأبقى حيًا. لكن هناك الكثير من رجال الشرطة، وهم ينوون القبض علي عاجلًا أو آجلًا، وعندما يقبضون علي، سيقيدونني برافعة ويمزقونني إربًا، أو هذا ماقيل لي.

يأتي القزم إلى أحلامي كل ليلة، ويطلب مني السماح له باحتلال جسدي.

يقول: «على الأقل، لن تقبض عليك الشرطة وتقطع أوصالك بهذه الطريقة.»

-«لا، لكن عندها سيتوجب علي الرقص في الغابة للأبد.»

فقال القزم: «صحيح، لكن أنت من يتوجب عليه الإختيار.»

ضحك وهو يقولها، لكني لا أستطيع القيام بالإختيار.

أسمع عواء الكلاب الآن. لقد وصلوا تقريبًا.

هاروكي موراكامي
ترجمة عن اليابانية: جاي روبين
ترجمة عن الإنجليزية: مصطفى اليماني
» تابع القراءة