| 5 التعليقات ]

  تدور في رأسي فكرة هذه التدوينة، منذ فترة طويلة جداً.. وتحديداً، منذ تركت قراءة (ميكي)، واتجهت لقراءات أكبر حجماً، وأكثر عمقاً.. لماذا؟ لأنني فوجئت بالطبع.. لماذا فوجئت؟ لأنني من أسرة متوسطة، أحياناً تكون في أحسن حالاتها، وفي أحايين أخرى، تكون في أسوأ حالاتها.

  عندما كنت صغيراً؛ اعتقدت أن الثقافة مجانية حقاً، وأن القراءة للجميع حقاً، وأن ثمن (كيس الشيبسي) من الممكن أن يشتري كتاب.. حقاً. لكننا نكبر، ونصطدم بحقائق كثيرة.. نصطدم بثمن الكتاب المرتفع، ونصطدم بالكاتب الذي يهتم بالكسب؛ أكثر من اهتمامه بتوصيل كلمته للجميع، ونصطدم بالقراءة، التي أصبح الجيد منها؛ للقادرين فقط.


القارئ:

  من أنا؟ أنا ياسيدي قارئ، تكون متعته حينما يقرأ لكُتاب معينين، وفي كتب معينه.. وليست القراءة وحسب بالطبع.. أنت لاتأكل كل الطعام ولا تشرب كل الشراب، أنت تقبل فقط، ما يروقك، ويسعدك، ويدخل دماغك.. يعني أنا لا أقرأ كل الكتب، ولا أقرأ أيضاً، لكل الناس.. جميل، أين المشكلة؟ المشكلة هي: أن الكتب التي أحب قراءتها غالية، هي -تحديداً- غالية علي. عندما أسمع عن كتاب، لأحد كُتابي المفضلين، وأسأل عن ثمنه، غالباً ما أحبط؛ لأني لا أملك ثمنه، أو أنني أملك ثمنه، لكني أحتاجه لأمور أهم..

  ماذا أفعل حينها؟ غالباً لا أفعل أي شيء. أنا -للأسف- لا أستطيع القراءة على الكمبيوتر، وحتى الكتب التي ابتعتها من سور الأزبكية -وأقصد الكتب المزورة لو كنت تفهم ما أعني- لا يتعدي عددها 3 كتب.. الإستعارة جيده طبعاً، لكن أغلب أصدقائي من نفس طبقتي الإجتماعية، أو أنهم لايبتاعون كل ما أريد بالطبع! دعك من أنني أحب اقتناء الكتب..

أراك تقول: أنت قارئ سمج، وسخيف، و(رخم).. ماذا تريد إذن؟.

سأقول لك:

  ربما تكمن المشكلة فينا، أو فيما زرعوه فينا في الماضي.. لا أدري، لكني كنت دائماً ما أعتقد أن القراءة للجميع.. أنا لا أطيق السيدة صاحبة هذا المشروع -هي ليست صاحبته الحقيقية ولكنه يذكرني بها- لكن هذه العبارة، ظلت معي، في ذاكرتي، وعندما كبرت، وخرجت للدنيا، ودخلت المكتبات.. رأيت أنهم كانوا يقصدون تلك القراءة التي يختارونها لنا، وليست كل القراءة.. وهنا طبعاً، أقصد وزارة الثقافة تحديداً، وكل المشروعات التي تفرعت منها (مكتبة الأسرة)، (إصدارات الهيئة العامة للكتاب)، (إصدارات قصور الثقافة)، إلخ... 

  إنها تلك الكتب التي اختاروها بأنفسهم، وفرضوا علينا قراءتها؛ لأنها شِبه مجانيه، وبإمكانها أن تصبح (للجميع). أدخل إحدى فروع الهيئة العامة للكتاب؛ فأجد أن أغلب ما في المكتبة لا يناسبني أبداً. أفرح عندما أجد عندهم كتاباً؛ يصلح كي أقرأه..

  بماذا يذكرنا هذا الموقف؟ نعم، يذكرنا بمعاملتهم لنا كالماشية. أنت خروف، يجب أن تأكل ما نضعه أمام عينيك فقط، وأي شيء آخر، لن تستطيع شراءه.. يجب عليك أيضاً؛ أقلمة نفسك مع الوضع الحالي.. إقرأ عن طريقة صناعة السِلال، أو العلاقات السياسية بين دولة كذا، ودولة كذا.. الأشياء الأخرى؛ ككتب نجيب محفوظ، وأنيس منصور، وغيرهم، تجدها في أماكن أخرى، لكنك لن تستطيع دفع ثمنهم.. أكتفي بما نقدمه لك من فضلك!.

  قد تبدو الصورة كاريكاتوريه جداً، لكن هذا ماسمعته منذ قليل بالفعل، من أخوه، يقترحون علي الإكتفاء، بالموجود في المكتبات العامة، والبعد عن تلك الكتب، التي لا أستطيع دفع ثمنها.. 

ومن هذا نفهم أن (بعض) القراءة للجميع.

الكاتب:

  سيدي الكتاب.. أريدك أن تعي جيداً؛ أنني أقدرك جداً، ولولا تقديري لك، ماكتبت هذه التدوينة، وما احترق دمي، في محاولة شراء كتابك الجديد. أنت تعرف أنني أحب قراءة ماتكتبه، لكن كيف؟ أنت تزعم؛ أن همك الوحيد، هو: إيصال كل ماتكتبه للناس، وأن يروق للقارئ.. إلخ، لكنك لاتعمل لأجل هذا حقاً.. 

  كتابك الأخير بـ 20، أو 25، أو 30، أو... وأنا لا أملك هذا الثمن، أو أنني أملكه، لكني لن أجرؤ على دفعه من أجل كتاب.. الكتاب شيء، ليس بقليل طبعاً، لكنك تعرف.. عند أول مشكلة ماليه تواجهني؛ سألوم نفسي على شراءه، ووقتها لن أستطيع قراءته أيضاً.. ستكون قراءته مريره، في ظل ما أعانيه..

  أريدك أن تفهم أيضاً: أنك -للأسف- لم تعد كاتب الأحلام.. لم تعد ذلك الشاب الذي يريد أن تصل كلمته للعالم كله، مهما كان الثمن.. أنا أعرف، أعرف أنك تريد أن تكسب من وراء كتبك.. أنا لا ألومك، ولن أجرؤ على ذلك.. هذا حقك ياسيدي، لكن.. هناك ذلك الشيء.. 

  تعرف؟ أنا -حتى الآن- لا أستطيع استيعاب؛ أنني أشتري الكتاب! لا أقصد أنني لا أريد الدفع، لكن.. كل هذا؟! لطالما آمنت -ولازلت- بأن الأفكار لايجب أن تُشترى بالمال.. أنت تفكر وتحول أفكارك لكلمات مكتوبة على ورق، وترسل هذا الورق لدار النشر، التي تحوله إلى كتاب..

وهذا الكتاب غالي الثمن.

  وماذا بعد؟ لا شيء، يمكنني -كما أردد- أن أخبط رأسي في أقرب جدار.. يمكنني الإدخار، لكني كما قلت، لن أجرؤ على إنفاق مافي جيبي على كتاب أو أكثر.. يمكنني القراءة على الكمبي... لا، لا أستطيع فعل هذا.. إنها عيني كما تعرف.. 

  أو يمكنني الشراء من سور الأزبكية.. هذا المكان الذي أصبح يغضب الكثيرين؛ لأنه يبيع الكتاب بثمن أقل بكثير من سعره الحقيقي، ويتسبب في خسائر لدار النشر والكاتب معاً.. أقول لك: لك الحق أن تغضب، لكن..

ماذا أفعل حقاً؟!

الناشر:

  هنا، لا أعرف من أين أبدأ.. لكني هذه المرة: أعرف أنني أملك بعض الحلول.

  أغلب الناشرين الذين عرفتهم، كانوا قراء، وأصبحوا كُتاب، وفي النهاية ناشرون.. أي أنك كنت تقرأ، ولعلك كنت تعاني مثلنا من ثمن الكتب المبالغ فيه.. ثم أصبحت كاتباً، يريد أن ينشر كلماته، وأن تصبح أمام أعين الجميع.. أنت تعرف؛ شخص له أحلام..

  وفي النهاية، أصبحت ناشراً.. تقابل كل يوم 1000 كاتب، يريد أن يحقق حلمه، وحلمه هذا؛ أن ينشر كتابه، وأن يرى كتابه (كالعروس) في أحسن شكل.. 

  وهذا -بالطبع- يعني أن تستخدم ورق غالي الثمن، فاخر، وغلاف بألوان متعددة، ومصمم أغلفة، ومطابع، وعمال، وأحبار، وتوزيع، و... أذكر هذا؛ لأخبرك: أنني أقدر ماتفعله أيها الناشر..

  لكن هل يمكنك الإنكار أنك تكسب؟! هذه ليست تهمة، وأذكرها أيضاً؛ لأجيب سؤال من يظنون: أننا لانريد لهم المكسب.. لكن هناك (مكسب)، وهناك (مكسب).. هل فهمت ما أعني؟.

من فضلك، لا تخبرني أن الحال اختلف بعد الثورة، لا تستخدم شمّاعة الثورة؛ لتعلق عليها شرهك الغريب.. 

  لاتخبرني أيضاً، بتلك الشعارات الزائفة: أنا أقدر الفن والثقافة، هدفنا توصيل رسالة القراءة لكل مكان، نحن نحقق حلمك، أنا صاحب رسالة...

هذا كلام موجه لكل من يفعل ذلك فقط، وأي شخص صاحب رسالة حقيقية، لن يرى نفسه في هذا الكلام.. 

أريدك أن تعي جيداً: أنني أفهم؛ أنك تحولت من شخص لديه حلم؛ إلى تاجر.. لكن هلا تكن تاجراً شريفاً على الأقل؟!.

  لماذا نجد في الأسواق محلات تبيع بأسعار مرتفعه، وأخرى بجانبها، تبيع بأسعار مناسبة؟ لماذا نجد مكتبة تبيع الكتاب بسعر 25 جنيه، وأخرى في نفس المنطقة، تبيع نفس الكتاب بـ 30؟ كتب نجيب محفوظ عندما كانت في مكتبة مصر العامة -أولاد حارتنا مثلاً- ما كان ثمنها؟ وبعدما انتقلت لدار أخرى، ماذا أصبح؟ 

هنا ندرك: أن ثمن الحبر، والمطابع، والعمال، وكل هذا.. ليست أسباباً كامله، وهناك أسباب أخرى، تعيق عملية القراءة للجميع.

بعض الحلول:

هناك ذلك الحل المشهور، الذي يُستخدم في.. كل دولة في العالم تقريباً؟
.

إنها الطبعة الشعبية:

  ورق رديء، (وأقول رديء)، مِن الذي يُستخدم في طباعة الجرائد.. وقطع صغير، وغلاف أي كلام.. وفي النهاية تبيع الكتاب بسعر مناسب.. عندها سوف يتحول الكتاب من 50 جنيهاً مثلاً، إلى 10 جنيهات.. بهذه البساطة، ووقتها سيقرأ الجميع. من يريد شراء الطبعة الفاخرة هو حر طبعاً.. هنيئاً له، لكني شخصياً أريد (القراءة)، لا أريد التفاخر بغلاف الكتاب، أو ورقه السميك، ناصع البياض، أو حجمه الكبير.. أنا لن أعلق الكتاب في الصالون، ولن أقدمه كهدية زفاف؛ لعروسي مثلاً..

  وقتها تأكد أنني سأقف بجانبك، ضد تزوير الكتب، وضد قرصنة الكتب. سأطالب معك بصنع قائمة سوداء، لمزوري الكتب، وربما أطالب الحكومة أيضاً -الحكومة الحقيقية لأن الحالية لم تهتم برغيف الخبز من الأساس فما بالك بالكتاب- ربما أطالب الحكومة، بوضع قانون يجرم هذا الفعل الشائن، وسأكتب عن فتوى تحريم نشر الكتب وقرصنتها بدون علم الناشر..

طب والله هعمل كدة!.

  وكمثال صغير: تعرفون المؤسسة العربية الحديثة؟ وإصداراتها التي تباع بـ 5 جنيهات غالباً؟ أنا أرفض سرقة هذه الكتب ووضعها على الشبكة العنكبوتية، وأقول لمن (يستسهل) القراءة بهذا الشكل؛ أن الكتاب لن يكلفه الكثير.. أشتريه أحسن..

  لكني -من ناحية أخرى- أعرف أشخاصاً من دول عربية، لا تصلها هذه الإصدارات، وكانوا سيحرمون منها، لولا النسخ الإلكترونية.. وهذه مشكلة، يُسأل فيها التوزيع.

أرأيت؟ عندما يكون السعر مناسباً، لانتردد..

  وهذا يعني -ركز في الكلمات القادمة: أنك يجب أن تنقي نفسك أولاً، من الأخطاء، ثم تتفرغ لأخطاء الغير.. القرصنة الإلكترونية، وتزوير الكتب.. 

طيب والأسعار المرتفعة، واحتكار كتب بعينها، والصفقات التي تتم لسحب كتاب ما، من دار نشر إلى أخرى؛ لبيعه بسعر أكبر؟؟؟!
.

هناك حل ظريف آخر:

  وهذا الحل يتم الإتفاق عليه، من الكاتب والناشر.. سيستفيد الكاتب؛ أن كتابه سيبيع أكثر، وأن يقرأ أكبر عدد من الناس له.. والناشر سيستفيد بتقليل الخامات الفاخرة؛ التي يستخدمها في الطباعة عادةً، وأيضاً سيبيع الإصدار بشكل أكبر..

  هذا الحل مناسب أكثر؛ للشباب الكُتاب الجدد؛ الذين يريدوا أن (يفرحوا) بكتابهم الجديد، وأن يناموا معه في ليلة الدخله، بدلاً من زوجاتهم.. أنتم تعرفون: الغلاف يجب أن يكون كذا، والورق كذا، والحجم كذا.. ولا مراعة للقارئ الذي كنته..

  باختصار شديد: الطبعة مثلاً، تكون 1000 نسخة.. يتم طباعة 500 نسخة، كما يريد الكاتب، والـ 500 الأخرى، تُطبع كطبعة شعبية، بورق الجرائد الأصفر، ذو الرائحة المميزة، المحبب للنفس.. 

وهكذا تضمن أن كل الطبقات سوف تشتري كتابك.. سوف تضمن أيضاً الفرح بكتابك الجديد؛ كأنه لعبة جديدة..
.

في النهاية:

  أنا لم أكن ناشراً من قبل، لكني متأكد أن هناك حل؛ وهذا لو كنت ترغب في أن تجد حلاً. أفهم جيداً؛ أننا لم نتوصل لحل أزمة البنزين، والخبز، وأنابيب البوتجاز، والمواصلات، و... إلخ، لكني أعرف أيضاً؛ أن الكتاب هو مهربي من كل هذا.. لذلك أرجوك: لاتغلق الباب من فضلك، وإن أغلقته، لا تختلق مبررات لغلقه..

لا أتحدث عن دار نشر بعينها، أو كاتب بعينه.. هو كلام عام، لكنه موجه لكل من يفعله.. 

لوموا أنفسكم، قبل أن تلومونا.. نحن نبتكر حلولاً لأمور تركتموها عالقه، وتلوموننا لأننا نبتكر تلك الحلول في النهاية.

  
  ربما في تدوينه قادمة، أتحدث عن اقتراح (وقفة احتجاجية) أمام دور النشر صاحبة الأسعار الفلكية.. ربما أتحدث عن نماذج واجهتني، أثناء نقاشي تلك الوقفة، وأحوال الكتاب..


مصطفى اليماني

29 مارس، 2012
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

مقدمة

-"لاتخف.. لن تشعر بأي شيء."

هكذا قال، وهو يمسح مطرقته من آثار الدماء العالقه بها.. لن أشعر بشيء.. نعم، وكأن هذا يهمني. من أنا؟ لايهم، مايهم الآن، هو: ماذا أفعل في ورشة تصليح السيارات القديمة، جالساً على مِقعد خشبي، ويدي مكبله وراء ظهري، والدماء تنزف من كل مكان في وجهي.

يبدو أنه انتهى من تنظيف مطرقته الصغيرة، وهاهو يلتفت لي، ويتقدم نحوي ببطئ، وثقه.. لماذا لا، وقد نجح في تكبيل من كان يظن أنه لن ينجح في الإمساك به أبداً؟ يتقدم نحوي ببطئ غريب، وكأنه يثق في أن كل وقت الدنيا معه.. حسناً، أنا لن أذهب لأي مكان، ولكن المشكلة؛ هي أنني مللت بعض الشيء.. أريد حك أنفي أيضاً.. هاهو يقف أمامي مباشرةً.. يبصق على يساره، حيث تكومت 3 جثث؛ لأشخاص كانوا حتماً يأملون في يوماً آخر، يحتسون فيه قهوتهم الصباحية، ويداعبون فيه أبنائهم.. ينظر لي، وأنا أرسم على وجهي ملامح الشخص الغير مبالي بأي شيء.. حسناً هذه حقيقة، فأنا لا أبالي لو احترق العالم الآن.. يرفع يده اليمنى التي تمسك بالمطرقة؛ ليهوى بها على رأسي.. في اللحظة التالية كان ينظر لمقعد خشبي فارغ، وأربطة تقيد الفراغ..

أعشق هذه اللحظة، حيث يبدون كالبلهاء.. أطفال فقدوا أيدي أمهاتهم في الزحام.. من وراءه قلت:

-"هيه، أنت.. هل تعرف لعبة (الآن تراه- الآن لا تراه)؟."

نظر وراءه بسرعة، فلم يجدني؛ لأنني وقفت بجانب المقعد الخشبي هذه المرة، وأسندت ساقي اليمنى عليه..

-"أنا من ابتكر هذه اللعبة."

كان يحدق في الفراغ، قبل أن يلتفت لي ثانيةً، ولكن هذه المرة لم أذهب لأي مكان، وهو أيضاً لم يضع وقته في الوقوف مدهوشاً، والتفكير في إجابة منطقية لِمَ يحدث؛ لأنه رفع مطرقته بسرعة، وهمّ لتهشيم رأسي..

حسناً، لم يعد هذا ممتعاً على أية حال.. أخرجت من جيبي حبيبتي اللامعة، ذات المقبض الفضي، والنصل الحاد، ثم تلاشيت سريعاً، ووقفت وراءه.. وقبل أن يلحظ أي شيء، أتممت الأمر.. كان ملقى على الأرض بالقرب من ضحاياه الجدد، ودماءه تصنع دائرة حمراء حوله.. البائس، ظن أنه نجح أخيراً في الإمساك بـ...

من أنا ثانيةً؟.

***
1- سيزيف
أفتح عيني على صوت المنبه المزعج، يخبرني أنها السادسة صباحاً.. أتجاهله، لكنه لايستسلم.. أتعلمون؟ هناك عدة مشاهد لاتتغير أبداً في يومي: الإستيقاظ صباحاً، الإغتسال، حلاقة الشعيرات الصغيرة النامية في لحيتي، ارتداء الملابس، وأخيراً الخروج للعمل.. إنني سيزيف اللعين، أو أي أسطورة أغريقية أخرى، تحتوي على عقاب يتكرر كل يوم.. 

في العمل يبدأ الجزء الثاني من اللعنة.
***
عملي هو (رعاية المسنين)  في دار لرعاية المسنين.. في مكان مليء بأشخاص يحاولون الحفاظ على ماتبقى لديهم من وقت.. هل هناك مجال للتفكير في الحياة؟! يبدو الأمر كأنك في مشرحة، مليئه بالموتى، لكنهم يرفضون الإعتراف بحقيقة أنهم ماتوا منذ زمن.. ولذلك يتحركون، يجلسون، يشاهدون التليفزيون، يذهبون إلى دورات المياه.. تماماً مثل الأحياء. في أحد الأحياء الراقية تقع دار (الخلود) لرعاية المسنين.. ثلاثة طوابق وحديقة واسعة تُرعى بعنايه، وأشخاص يرعون أشخاص..

خرجت من سيارة الأجرة، بعدما أخذ السائق ضعف ماكان يطلبه، من الجميع. من بعيد تستطيع أن تلمحهم، يجلسون على المقاعد المتحركة، يحاولون الإبتسام، يراقبون المزروعات في الحديقة، أو يلعبون الجولف (لعبة كبار السن والمقام)..

على البوابة يقف (حارس)، الذي يعمل كـ حارس للدار.. ألقي عليه السلام، فيردد مزحته المعتادة:

-"ليت كان اسمي (طبيب)، أو (مهندس) يا أستاذ (إمام)!."

أبتسم؛ كأنني أسمعها للمرة الأولى.. تعلمون؟ أعتقد أنه بعد كل مرة يلقي فيها تلك المزحه السخيفة، يجلس ليأسف على حاله بالفعل.  وراء البوابة الحديديه، تقابلكم تلك الحديقة الكبيرة.. هناك (مرعي) الذي قطع الطريق من محافظته؛ ليتخبط في أنحاء العاصمة، ولينتهي به الأمر كـ(جنايني) في دار مسنين، يمسك بخرطوم المياه، ويرش بعض الشجيرات الصغيرة الجديدة.. هذان الممرضتان هما (صفاء) و(ناهد).. معهما تشعر أن كل شيء هو مزحه، تستحق أن تضحك عليها.. فتاتان جائتا من نفس الحي، تعملان، وتتحركان معاً.. وفي نهاية اليوم، تذهبان معاً.. ألوح لهما وأنا أرسم ابتسامة، فيلوحان لي، ثم يضحكان. الساعة الآن الثامنة والربع، هذا هو الوقت الذي تُفتح فيه النوافذ لتدخل الشمس غرف النزلاء، الذين يستيقظون ما إن تلمس الشمس جفونهم.. هذا هو الوقت الذي تملئ فيه الحديقة برجال وسيدات، ذوات أعمارٍ متقاربه، وأبناء ذوات..

أسير ناحية الدار؛ لأجد السيدة (حكمت) شبية (فردوس عبد الحميد)، ومديرة الدار.. تقف كقائد الكتيبة، في انتظار العاملون في وردية الصباح.. تنظر لي من فوق نظارتها الطبية..

-"أستاذة (حكمت).. صباح الخير."

للحظة ظننت أنها ستصفعني، قائلة: تجرؤ على إلقاء الصباح؟! لكنها لم تفعل لحسن الحظ.. فقط قالت:

-"أستاذ (إمام).. أنت متأخر 15 دقيقة، مرة أخرى.. أتعرف مايعني هذا؟."

يعني أن الطرقات أصبحت أكثر زحاماً من زي قبل أيتها البلهاء..

-"آسف.. لن أكررها ثانيةً."

-"في كل مرة تقول هذا."

محتفظاً بملامحي اللامباليه، وأعصابي الباردة:

-"هذه المرة أعني ما أقول."

أبتسم، وأتركها سريعاً قبل أن تتابع، وأدخل الدار.
***
 الطابق الأول، حيث مكتب الإدارة، وغرفتيّ تبديل الملابس، والعيادة الطبية، والمطبخ، وغرفة المعيشة التي تحتوي على جهاز تليفزيون والكثير من المقاعد المريحة، المخصصة لأرداف المسنين الواهنه.. هناك أيضاً غرفة مخصصة للعلاج النفسي، لكنها لا تُستخدم سوى مرة واحدة في الإسبوع؛ عندما يأتي الدكتور (عوني)، الطبيب النفسي الأربعيني.. الطابق الثاني والثالث للنوم..

أدخل غرفة تبديل ملابس الرجال؛ لأرتدي ملابسي الكريهه.. يشبه رداء الممرضين، لكنه باللون الأخضر. في الداخل أجد (مينا) المراهق ذو الـ 20 عاماً، يجلس على أحد المقاعد الخشبية بنية اللون، ويقرأ في مجلة مصورة، تحتوي على بطل خارق ما -غالباً هو سوبر مان- ألقي السلام عليه، فيجفل..

-"أوفف! أعتقدتك أستاذة (حكمت).. هل رأيت هذا العدد الجديد؟."

أحدثه وأنا أبدل ثيابي:

-"أليس من المفترض أن تساعد في نقل النزلاء للحديقة، وغرفة المعيشة الآن؟."

-"أعرف.. سأنتهي سريعاً وأخرج."

(مينا) يسكن قريباً من الدار؛ لذلك لايواجه مشكلة في القدوم في موعده.. فتى جديد هو، لايزال في فترة التجربة، حيث يتطوع المرء للعمل لمدة شهر بدون مرتب، وفي النهاية تقرر السيدة (حكمت) إذا كان يستحق العمل هنا، أم لا.. ويبدو أنه مفتون بالقصص المصورة، التي تحتوي على أبطال خارقين..

-"أوفففف! هناك جزء ثاني.. سأضطر الإنتظار حتى الأسبوع القادم."

وضعت يدي على كتفه وقلت:

-"لا تقلق ياصديقي.. (سوبر مان) سيحيا، لكن من في الخارج، ربما لن يستطيعون الصمود ليوم آخر."

-"إنه (سبايدر مان) بالمناسبة."

وقبل أن أخبره؛ أنه لا فارق؛ لأن الإثنان يعملان بالصحافة.. تجمدت يدي على مقبض الباب، عندما سمعنا الصرخة.
***
خرجنا للحديقة، وللوهلة الأولى، بدا الأمر وكأن أحدهم ضغط زر التوقف.. كل شيء تجمد في لحظة انطلاق الصرخة.. السيدة (حكمت)، والممرضتان (صفاء) و(ناهد)، و(مرعي) الجنايني.. حتى (حارس) دخل سريعاً من البوابة ليتجمد هو الآخر.. بعض المسنين الذين خرجوا إلى الحديقة، بدوا وكأنهم لم يسمعوا شيء -أم أنهم لم يسمعوا فعلاً؟- وبعضهم تجمد في مكانه هو الآخر.. كان أول من تحرك من مكانه هي السيدة (حكمت)، حيث صاحت بنا:

-"تحركوا؛ لتروا ماذا يحدث."

تحرك المشهد، وسارع الجميع بالإنطلاق ناحية مصدر الصوت، والذي يبدو أنه أتى من الطابق الثالث.. لم أتحرك بسرعة مثلهم، بل تباطئت عن عمد.. كلهم يحركهم الخوف والفضول.. لكني كنت أعرف..

يبدو أن واحد آخر لم يستيقظ من نومه في هذا اليوم.
***
عندما وصلت، كان المشهد يشبه لوحة سيريالية عبثيه.. جميع المسنين خرجوا من غرفهم، يسيرون ببطئ، ويستندون على عكازات، ويجلسون على مقاعد متحركة.. مازال الجميع يرتدي ملابس النوم.. هناك أصوات بكاء، وهناك من تحتضن أخرى وتبكي على كتفها، وهناك آخر يستند على الحائط وينظر للسقف بحزن..

ألقيت نظره من بعيد، على الغرفة التي كان الجميع يحاول دخولها.. نعم، كما قلت.. واحد آخر لم يستيقظ من نومه.. واحد آخر، لن يحصل على محلول الجلوكوز المفضل لديه.. واحد آخر، لن يشاهد مسلسل الثامنة والربع.. إنه الأستاذ (رأفت) الرجل الذي كان يعمل في المحاماة، قبل أن يجلبه أولاده إلى هنا، ويدفعوا للسيدة (حكمت) مايكفي لعدة سنوات قادمة. كانت الصرخة من السيدة (عايدة) التي تجلس بجانب فِراش الأستاذ (رأفت) وجسده المسجي عليه، تبكي بحرقة، وتردد:

-"ناديته لكنه لم يرد.. هززته لكنه لم يستيقظ."

ثم تدفن رأسها في صدر الممرضة (ناهد) وتبكي.. الكل يدخل؛ ليلقي نظرة، على ماسيكونه في يوم ما.. جسد مسجي على فِراش، بلا حراك.. جسد يتكون من التجاعيد، والشعر الأبيض، والبثور.. لكن لاحركة. خرجت السيدة (حكمت) من الغرفة، وقالت أنها ستذهب لتتصل بأولاده؛ ليحضروا، ويقوموا باللازم، ثم نهرتنا، وأمرتنا بإبعاد الجميع عن الغرفة..

إنها غاضبة؛ لأنها ستضطر لإعادة بقية المبلغ المدفوع لأبناء الأستاذ (رأفت)، لو طالبوها به.
***
أمام المرآة، داخل إحدى دورات المياه، انحنيت مقرباً وجهي لصنبور المياه المفتوح.. فليلمس الماء وجهي.. لماذا لم أعد أشعر بأي شيء؟ لا أعرف.. ربما لأن... لا، هذا ليس التفسير الصحيح أيضاً.. أغلق الصنبور، وأعيد النظر للمرآة.. ألمس وجهي بيدي..

-"ماذا، إلى ماذا تنظر؟."

أفتح الصنبور ثانيةً، وأغسل وجهي مرة أخرى..

-"أنت حصلت على ما أتمناه أنا؛ ربما لأحصل على بعض التغيير. لماذا كنت تتمسك بحياتك، هه؟ قل لي؟."

-"(إمام)، هل تحدث نفسك؟."

كانت هذه من (مينا) الذي دخل فوجدني أنظر في المرآة وأتحدث.. قلت له:

-"ماذا هنالك؟."

-"أبناء الأستاذ (رأفت) وصلوا، والأستاذة (حكمت) طلبت منا الإهتمام بأمر النزلاء، ككل يوم."

وأنا أمسح وجهي بمنشفة:

-"حسناً، سآتي وراءك."

ثم غادر (مينا)، وهو يحدث نفسه.. لابد أنه يفكر في أنني جننت، أو أن موت الأستاذ (رأفت) أثر في..

-"أبناءك وصلوا.. هل تريد رؤيتهم؟."

ظهر ثانيةً.. حرك رأسه نافياً، ثم تبدد في الهواء مرة أخرى، مثل دخان سيجار فاخر.

إن الأستاذ (رأفت) لايريد أن يرى أبناءه.
***
كان يوماً صامتاً، كما ينبغي له أن يكون.. الصدمة، الصمت، الدهشة، عدم التصديق، دموع تهبط في صمت... لم تكن أول مرة، يموت فيها أحد نزلاء الدار، لكن هذا يحدث في كل مرة على أية حال.. حبة أخرى، سقطت من خيط المسبحة.. لابد أن كل واحد فيهم، يفكر الآن؛ أنه هو الحبة القادمة. كنا نحن نقوم بأعمالنا المعتادة.. مساعدة النزلاء في التنقل، الإفطار، إحضار صحف اليوم، فتح التليفزيون، تغيير ملائات الأسرة، والتنظيف.. بعد كل هذا، يلعب كل منا، دوره اليومي المعتاد: أن تكون فرداً من العائلة.. يجب أن تُشعر كل نزيل؛ أنك ابنه، أو أخيه الصغير، أو أي شخص قريب له، يجب أن يهتم لأمره.. لذلك أجلس بالقرب من السيد (رافع)، يتحدث هو، وأنصت أنا..

-"كان (رأفت) رجلاً طيباً.. كان يهتم لأمر الجميع، لكن أولاده لم يهتموا لأمره أبداً."

ثم سكت قليلاً، وسالت دمعة على خده الأيمن.. لم يمسحها، وتابع:

-"أذكر عندما ظللت أسعل ليلاً في الظلام.. لم يسمعني أحد وقتها، وظننت أنني سأختنق وأموت، لكنني وجدت (رأفت) يمد يده خلف ظهري؛ ليساعدني على الجلوس، ويمسك بكوب الماء، يعطيني إياه.. يومها ابتسمت له، وأخبرته أنه منقذي.. لكني لم أستطع إنقاذه اليوم."

-"أنت تعرف أن ماحدث لم يكن بيد أحد، ولم يكن لأحد أن يفعل شيئاً حياله."

 إن هؤلاء القوم، يعيشون على اجترار ذكريات الماضي؛ لأنه لايوجد مستقبل أمامهم، وحاضرهم ثابت لايتغير.. كانت الساعة العاشرة، عندما غادرت سيارة الإسعاف وبداخلها جثمان السيد (رأفت)، وأبناءه الثلاثة يستقلون سياراتهم، بعدما انتهوا من إجراءات الدار الورقية.. ويبدو أنهم لم يطالبوا ببقية المبلغ الذي دفعوه؛ لأنني ألمح الإرتياح يرتسم على ملامح السيدة (حكمت) الواقفه أمام مكتبها، وقد عقدت ذراعيها، تتأمل الموجودات..

كانت الساعة العاشرة، عندما أتى (وائل) وشقيقته التوأم (ولاء).. وائل وولاء، يعملان معنا منذ مايقرب من الأسبوعين.. في الواقع، هما يمرحان، أكثر منهما يعملان، والسبب في قدومهما المتكرر بشكل متأخر، والمرح الذي لايجدان صعوبة في إظهاره؛ أن والدهما يدفع للدار، حتى يعمل ولداه.. يبدو أنه كان يريد لهما أن يتعلما بعضاً من الجدية والصرامة، لكن يبدو أيضاً أن هذا لايفلح.. على كل حال، النزلاء يحبونهما، والسيدة (حكمت) لاتجد ضرراً منهما، مادام والدهما يدفع لها..

باختصار حتى لا أطيل عليك: كان مجرد يوم آخر، في دار (الخلود) لرعاية المسنين..

باستثناء غرفة السيد (رأفت) في الطابق الثالث، وذلك الظل الذي يطل من نافذتها.. يبدو أنه ينظر لي، وينتظر مني الصعود.
***
قلت وقد جلست على فِراش السيد (رأفت):

-"ماستفعله، هو أنك ستظل هنا -في غرفتك- حتى يأتي من يصطحبك، ولا تسألني "لأين" لأنني لا أعرف! ربما يتأخر قليلاً؛ لذلك أطلب منك أن تحتفظ بأعصابك؛ حتى لا تتحول غرفتك "لغرفة مسكونه".. نحن لا نريد للأمر أن يُحدث ضجه بالتأكيد."

كان لايزال واقفاً مكانه، ينظر من وراء النافذة.. ألتفت لي، وقال:

-"أنت.. أنت (إمام).. كيف تراني؟."

-"أراك وحسب.."

استدار لينظر مرة أخرى.. كانت النافذة تطل على الحديقة التي اعتاد أن يجلس بها كل يوم.. وقفت بجانبه، وقلت:

-"لاتقلق.. الكل كان يحبك، ولاحديث لهم، سوى عنك."

هز رأسه، بدون أن ينظر لي. في ماذا يفكر؟ في لعبة الشطرنج، التي لن يلعبها ثانيةً.. في صحيفة الصباح، التي لن يقرأها مرة أخرى.. فنجان القهوة، من يد (عبير) عاملة المطبخ.. تبدو لي كأشياء، لاتستحق أن يحزن المرء؛ لأنه تركها وراءه..

خرجت عندما دخل (وائل) و(ولاء).. يبدو أنهما أتيا للتنظيف.. قالت (ولاء):

-"لماذا أصبح الجو بارداً فجأه؟."

قبل أن أغادر:

-"كان بارداً منذ الصباح."
***
في نهاية اليوم، يذهب الجميع لتبديل ملابسهم، ويقفون أمام الدار، في انتظار العاملون في وردية الليل.. قبل أن نذهب، نودع النزلاء، الذين جلسوا أمام التليفزيون في غرفة المعيشة، لاتعرف إن كانوا يشاهدون فعلاً، أم هم يفتعلون ذلك.. لاتعرف إن كانوا يحاولون التعايش مع الأمر، ونسيانه، أم هم نسوا بالفعل.. هل المصاب بالـ ألزهايمر، ينسى شيء كهذا، أم أن عقله يحتفظ به، برغم كل شيء؟؟ لن نعرف أبداً، إلا عندما نصل لأعمارهم.. وهو مالا أريده أنا..

وصل كل العاملون بوردية الليل.. صافحونا، ودخلوا.. هنا نستطيع الذهاب؛ بعدما اطمئن كل واحد؛ أن هناك من سيملئ مكانه.. خرجنا من البوابة، وصافحنا بعضنا، ثم ذهب كلٍ منا في طريقة.

قبل أن أغادر البوابة، نظرت للطابق الثالث، حيث غرفة السيد (رأفت).. كان لايزال في مكانه، واقفاً خلف النافذة التي تطل على الحديقة..

أعتقد أنه سيظل هكذا، حتى ينتهي الأمر.
***
على محطة انتظار الحافلة، قال لي (مينا):

-"هيه (إمام).. سأقضي الليلة مع بعض الأصدقاء بوسط البلد.. ربما نذهب لمتجر بيع القصص المصورة أيضاً.. هل تأتي؟."

-"ربما في وقت آخر ياصديقي.. في وقتٍ آخر."

أتت حافلته، فقفز بداخلها سريعاً، قبل أن ينطلق سائقها مسرعاً.. إنها السادسة مساءً، حيث الصخب يملئ كل مكانٍ، ماعدا هذا الحي، وكل الأحياء المشابهه له.. يبدو أنني سأضطر للسير قليلاً؛ لأن حافلتي لم تأتي حتى الآن.
***
 فتحت عيني ببطئ محاولاً الإعتياد على الضوء الأصفر الباهت، القادم من لمبة وحيدة تتدلى من السقف.. أين أنا؟ جالساً على مقعد خشبي، ويداي مقيدة وراء ظهري، والدماء تنزف من وجهي.. صداع.. ماذا حدث؟ آخر ما أذكره أنني كنت أهم بالسير، عندما رأيت تلك الحافلة قادمة من بعيد.. انتظرت، لعلها تكون حافلتي.. وقفت أمام بابها، الذي كان يُفتح ببطئ، و...

لا أذكر ماحدث بعد ذلك.. يبدو أنني تلقيت ضربة على رأسي.. من مكانٍ ما سمعت صرخات لما يبدو أنهم 3 أشخاص..

-"لااااااا، أرجوك، لا تفعل، سنفعل أي شيء، أي..."

ثم صوت طرقة؛ كأن هناك شخص يحطم شيء ما.. سكن صوت، بينما الآخران يصرخان.. نفس الطرقة، وسكن آخر.. الآن هناك صوت واحد يصرخ.. لكنه سكن هو الآخر بعد صوت الطرقة.

أخيراً جاء.
***
جثة.. إثنان.. ثلاثة.. ثلاث جثث مهشمة الرأس، كان يجرهم على الأرض، الواحد تلو الآخر، ويلقيهم بالقرب مني.. دمائهم ترسم خطوطاً حمراء على الأرض، وتصنع دائرة حمراء كبيرة حولهم.. أحدهم يرتدي حُله سوداء، والآخر يرتدي سروال جينز وتيشرت أبيض اللون.. والأخير كان يرتدي جلباب ممزق، يبدو أقرب لرداء المتسولين..

أما هو، فكان أصلع الرأس، يرتدي سروال أسود قماشي، وتيشرت بلا أكمام، يُبرز عضلات جسدة.. غادر ثانيةً، ثم عاد وهو يحمل مطرقة صغيرة، مغطاة بالدماء، والتي يبدو أنه كان يهشم رؤوسهم بها..

-"لاتخف.. لن تشعر بأي شيء."

هكذا قال، وهو يمسح مطرقته من آثار الدماء العالقه بها.. لن أشعر بشيء.. نعم، وكأن هذا يهمني. من أنا؟ لايهم، مايهم الآن، هو: ماذا أفعل في ورشة تصليح السيارات القديمة، جالساً على مِقعد خشبي، ويدي مكبله وراء ظهري، والدماء تنزف من كل مكان في وجهي.

يبدو أنه انتهى من تنظيف مطرقته الصغيرة، وهاهو يلتفت لي، ويتقدم نحوي ببطئ، وثقه.. لماذا لا، وقد نجح في تكبيل من كان يظن أنه لن ينجح في الإمساك به أبداً؟ يتقدم نحوي ببطئ غريب، وكأنه يثق في أن كل وقت الدنيا معه.. حسناً، أنا لن أذهب لأي مكان، ولكن المشكلة؛ هي أنني مللت بعض الشيء.. أريد حك أنفي أيضاً.. هاهو يقف أمامي مباشرةً.. يبصق على يساره، حيث تكومت 3 جثث؛ لأشخاص كانوا حتماً يأملون في يوماً آخر، يحتسون فيه قهوتهم الصباحية، ويداعبون فيه أبنائهم.. ينظر لي، وأنا أرسم على وجهي ملامح الشخص الغير مبالي بأي شيء.. حسناً هذه حقيقة، فأنا لا أبالي لو احترق العالم الآن.. يرفع يده اليمنى التي تمسك بالمطرقة؛ ليهوى بها على رأسي.. في اللحظة التالية كان ينظر لمقعد خشبي فارغ، وأربطة تقيد الفراغ..

أعشق هذه اللحظة، حيث يبدون كالبلهاء.. أطفال فقدوا أيدي أمهاتهم في الزحام.. من وراءه قلت:

-"هيه، أنت.. هل تعرف لعبة (الآن تراه- الآن لا تراه)؟."

نظر وراءه بسرعة، فلم يجدني؛ لأنني وقفت بجانب المقعد الخشبي هذه المرة، وأسندت ساقي اليمنى عليه..

-"أنا من ابتكر هذه اللعبة."

كان يحدق في الفراغ، قبل أن يلتفت لي ثانيةً، ولكن هذه المرة لم أذهب لأي مكان، وهو أيضاً لم يضع وقته في الوقوف مدهوشاً، والتفكير في إجابة منطقية لِمَ يحدث؛ لأنه رفع مطرقته بسرعة، وهمّ لتهشيم رأسي..

حسناً، لم يعد هذا ممتعاً على أية حال.. أخرجت من جيبي حبيبتي اللامعة، ذات المقبض الفضي، والنصل الحاد، ثم تلاشيت سريعاً، ووقفت وراءه.. وقبل أن يلحظ أي شيء، أتممت الأمر.. كان ملقى على الأرض بالقرب من ضحاياه الجدد، ودماءه تصنع دائرة حمراء حوله.. البائس، ظن أنه نجح أخيراً في الإمساك بـ...

من أنا ثانيةً؟.


ظننت هذا واضحاً.. اسمي هو (إمام)، وأعمل في دار (الخلود) لرعاية المسنين.. وأشعر بالملل.
***
-"الوغد.. يبدو أنه كان ينوي أن يأكلهم."


لا أعرف كيف يمكنك أن تصيح بصوت منخفض، لكني فعلت.. كنت في الغرفة التي كان يهشم رؤوس ضحاياه بها.. مقاعد خشبية، خطاف معلق في عدد من السلاسل تتدلى من السقف، منضدة حديديه تتراص عليها أدوات، يبدو أنه كان يستخدمها للسلخ والتقطيع.. وماهذا؟ منضدة خشبية من التي يستخدمها الجزارين لتقطيع لحومهم! هذا بجانب الدماء التي تغرق الحوائط بالطبع.. إنها غرفة مجهزة تماماً، لكن للتعامل مع الخراف، وليس البشر.. 


خرجت من الغرفة، وتوجهت للبقعة التي نحرت فيها عنقه.. هناك مايدور بذهني، وأريد تأكيده.. انحنيت أتفحص جسده.. فتحت فمه؛ لأفاجأ بصفين من الأسنان، التي تشبه أسنان القرش.. قلبته على وجهه؛ لأجد ماكنت أنتظره.


إنه من جماعة الغيلان.
***
ذلك الختم المميز المطبوع على رقبته من الخلف يؤكد ذلك.. هل كان يعرف بشأني، أم أنه اختطفني كأي شخص عادي يفعل معه ذلك؟؟ ولماذا لم أكن في الغرفة مع من ماتوا؟ لماذا أتى بجثثهم أمامي؟ هل كان يخبرني بمصيري؟ لو عرفت جماعة الغيلان بي.. يبدو أنها ستكون أيام طويلة ومرهقه..


وقفت، فرأيت الثلاثة الذين ماتوا منذ قليل، يقفون بالقرب من جثثهم.. ينظرون لي.. حزن، أم عتاب؟ كان يمكنني إنقاذهم، لكن يبدو أنني استغرقت أطول من اللازم في التساؤلات، عن "ماذا حدث"، و"كيف حدث".. وقفت بالقرب منهم وقلت:


-"لا أعرف ماذا أقول لكم، لكن أتمنى أن تسامحوني.. ماسيحدث، هو أنكم ستبقون هنا، حتى يأتي من يصطحبكم، إلى مكانٍ لا أعرفه؛ لذا لا تسألوني "إلى أين".. لو تأخر قليلاً، لا تفزعوا، ولاتسمحوا لأعصابكم بالإنفلات؛ لأنه عندما تتعصبون، سوف تحدث أشياء غير لطيفة، ومن شأنها أن تجذب الناس والأقاويل، ونحن لانريد ذلك بالطبع.."


دهشة، عدم فهم، وعدم استيعاب للأمر، حيرة، وربما غباء.. كيف تفسر لأحدهم أنه مات؟ 


-"سأغادر الآن؛ لأن بقائي خطر علي."


ثم تركتهم لحيرتهم.
***
في الخارج وجدت الحافلة، التي نقلني بها إلى هنا، والتي يبدو أنه يستخدمها؛ لخداع الناس في الأوقات المتأخرة من الليل.. هكذا كان يحصل على وجبته اليومية.. الجروح تملئ وجهي، والدماء تغرق قميصي.. أرجو ألا يسألني أحدهم عن الأمر.لا أعتقد أن هناك مجالاً للوقوف على المحطة وانتظار الحافلة، بهذا الشكل؛ لذا سأضطر لفعل ما لا أحب استخدامه كثيراً..


لو رآني أحدهم، أقف في وسط الشارع، ثم في اللحظة التاليه أختفي، وأتبدد كدخان السيجار.. 


سيجن حتماً.
***
أمام المرآة، داخل المرحاض، في منزلي الحبيب.. أقف لأعالج جروحي، التي سببها هذا الغول.. أجهل لماذا ضربني، أثناء إغمائتي الصغيرة.. من المفترض أنه لايحمل أي ضغينة تجاه من يصطادهم للأكل، وهذا هو مايُشعل الشك في نفسي أكثر.. كان يعلم من أنا إذن، وما أستطيع فعله.. فرغت من تضميد جروحي، وارتديت ملابس نظيفة، وخرجت لأجلس في شرفة البيت.
***
أجلس على مقعد صُنع من الخوص، داخل الشرفة، وأمامي كوب الشاي ذو الأبخرة الساحرة.. أجلس، لأسترجع كل ماحدث أثناء اليوم.. لماذا كان السيد (رأفت) حزيناً؟ ماذا كان يملك؟ الغريب أن تلك الأسئله، هي ماكان يدور بذهني، أكثر من تساؤلاتي حول الغول، آكل لحوم البشر، الذي قتلته منذ قليل.. حقاً: ماذا كان يملك؟!.


الغريب أنني تذكرت الآن، ماذا كان يملك السيد (رأفت).. لعب الشطرنج مع السيد (رافع)، وضحكهُ مع السيدة (عايدة).. قهوته الصباحية، التي كان يطلبها بنفسه من (عبير) عاملة المطبخ، وقراءة صحيفة الصباح.. مسلسل الثامنة والربع، والعيون التي تتعلق بشاشة التليفزيون، عندما يُعرض فيلم أجنبي جيد.. 


وقصصي الخيالية التي كنت أحكيها له.. كلها أشياء صغيرة، بسيطة، ولكن يبدو أنه كان يحيا من أجلها، أو هي من كانت السبب في جعله حياً.. هو لم يكن يدير شركة كبيره، ولم يكن يقف أمام القضاة في المحاكم، مثل الماضي.. أبناءه تركوه في الدار، ولم يعودوا لزيارته ثانيةً.. كلها أشياء لم يكن يملكها، لكنه كان يحيا بأشياءه الصغيرة، التي  تنجح في رسم الإبتسامة على وجهه ذو التجاعيد..

أنا.. ماذا أملك؟ هذا سؤال، يجب أن أعثر له على إجابه..

أو أخلق إجابة له.


18 مارس، 2012

يُتبع>>>
***
من هم جماعة الغيلان؟ من هو (إمام) حقاً؟ وكيف يستطيع فعل مايفعل؟ هل يجب أن نجد مايدفعنا للحياة؟ أم أننا نستطيع أن نحيا وحسب؟ وهل سيجد (إمام) دافعه؟ 

ماذا سيواجه ثانيةً؟ وهل هناك أكثر من جماعة يسمون أنفسهم (الغيلان)، ويأكلون لحوم البشر؟ وأشباح تنتظر من يخبرها أن تبقى في مكانها وتهدأ؟

ومديرة تشبه (فردوس عبد الحميد)؟!

كلها أسئله، لن أستطيع الإجابه عنها الآن؛ لأنني لا أعرف!.

مصطفى اليماني
» تابع القراءة

| 4 التعليقات ]

تدوينة جديدة؟ ولِمَ لا، أنا لن أدفع مالاً عند الكتابة، وإن طلب أحدهم مني التوقف عنها، سأقول له أن يذهب إلى الجحيم.. بهذه البساطة. أنا الآن في بيتي -مدونتي- ويمكنني الكتابة عما أشاء، في أي وقت أشاء.. هذه هي فلسفة المدونات.. فلسفتي الخاصة، التي لم أعتمدها من البداية للأسف، لكني أعتقد أن هذا أمر طبيعي.. أنت تبدأ طفلاً في كل شيء.. في القراءة، والكتابة، والمشاهدة، والحديث، والمشي، والعمل... كل شيء.. أعترف أنه من الصعب أن نبدأ صغاراً في شيء جديد، بعدما أصبحنا كباراً في أشياء أخرى، لكن ماذا نفعل؟ يجب أن يتم الأمر بهذه الطريقة.. كل مرة.. وأعتقد أن هذا مايمنعني من تعلُّم كتابة شعر العامية حتى الآن! نعم، أعترف أنني لا أريد العودة للطفولة مرة أخرى، مع الشعر.. لن أستطيع أن أطلق على نفسي (كبيراً) في كتابة القصة، لكني -على الأقل- مررت بمرحلة البداية، وما ينقصني هو: أن أكتب.. هذه هي مشكلتي الوحيده والحاليه مع القصة.. الكتابة. وأنا ياصديقي -للأسف- لا أملك زِراً أضغط عليه، فأبدأ في كتابة قصة، ولا أملك آخر، يخرجني من حالاتي الغربية بالضغط عليه.. تلك الحالات التي تدفعني للتوقف.. أنا لا أعرف ماهي، لا أعرف اسمها، لكني أعرف أنها عندما تأتي، يتوقف كل شيء معها.. تتوقف المتعة، ويتوقف الإنبهار الدائم بكل جديد، لا وجود للأعين المتسعة، ولا للفم المفغر.. فقط، يتوقف كل شيء من حولك، وتبدأ في التحول إلى آله، تأكل، وتشرب، وتنصت بحركات آليه.. تنفذ ماكنت تقوم به سابقاً، وما تحتاجه للحياة.. يا إلهي.. متى فقدت الإستمتاع بأشيائي الصغيرة؟.

ومع توقفك عن العمل، تشعر أنك ملوث.. تشعر بتلك القذارة، وذلك الصدأ، يزحفان ليسكنا عظامك وعقلك.. تشعر أنك لست كبقية البشر. يالمأساتك ياصغيري العزيز.. أنت لم تعد تخرج، ولم تعد تشاهد أفلامك باستمتاع، فقط تشاهدها؛ لأنك اعتدت أن تفعل.. لم تعد تحلم؛ بأن تحلم بمستقبلك، ولم تعد تأمل في يوم ممتع جديد.. لم تعد الوجبه الساخنة تمثل لك أي شيء.. فقط تأكل؛ لأن هذا مايفعلونه.. متى توقفنا عن استنشاق رائحة الكتب الجديدة، والشعور بنسمات الهواء، التي تبعثها صفحاتها على وجهك؟ لم أعد أذكر.. كل ما أذكره؛ أنه في هذا الجسد، كانت هناك نبتة صغيرة، تحاول فروعها شق طريقها بين الصخور؛ لترى الشمس.. 

كل ما أذكره؛ أنك لم تعد أنت.. وأنا لم أعد أنا.. وهم، لم أعد أراهم، كما كانوا قديماً.. وهي.. هي لم توجد بعد..

أنا الآن هناك، سجين، بداخل ذلك البرج الأسود العملاق، أنظر لك بملابسك السوداء الرثه، وأصرخ فيك أن تنقذني.. وها أنت تأتي من بعيد.. تتقديم بخطواتك الواهنة، المرهقة.. السماء من فوقك لم تعد زرقاء كما كانت، والشمس لم يعد لها وجود.. كل شيء يتلون بالأسود والرمادي.. لم تعد الأشياء كما كانت قديماً.. لم تعد أنت كما كنت..

أصرخ فيك: "تقدم، أنقذني.. أخرجني من هناااااااااا"، وأنت تحاول، لكن الأمطار تعيقك، والأوحال التي تسببها تبطئ من خطواتك.. تسقط، تحاول الزحف، لكنك أكثر إنهاكاً من أن تفعل.. وها أنت تضرب بقبضتك الأرض، فيلوث الوحل وجهك.. تبكي، تنظر لي.. و... 

لا شيء.. كان الأمر مجرد مشهد عبثي آخر، يحاول الخروج من بين الحطام، كأنه -عقلي- يحاول أن يخبرني: هااااااي، أنت هناك.. أنا لازلت هنا، أتنفس.. أأستطيع طلب بعض المساعدة من فضلك؟ وأنا يا عقلي الحبيب لا أعرف.. لا أعرف إن كنت أستطيع إعادتك لحالتك الأخرى.. يجب أن تفهم؛ أنك لم تكن مميزاً من الأساس.. أعرف أنك كنت تحاول، لكن.. هكذا هي الحياة.. كلنا نحاول تسلق الجدار.. بعضنا ينجح، والآخر ينزلق؛ لتدق عنقه.. هكذا الأمر.

وكما رأيتم أعزائي.. نحن -عندما نعلن استسلامنا- نخط بأيدينا بداية جديدة.. نحطم آمالنا بعصا من مصانع الأمل، ونرتدي أحذية من محلات (طريق الحلم).. 

إذن: هل هي النهاية السعيدة؟.

أيها السخفاء! وأين كانت البداية أصلاً؟!.

إلى اللقاء.


1 مارس، 2012
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

صورة لاعلاقة لها بالموضوع
تدوينه جديدة، ويارب مقفلش الصفحة، زي كل مرة من غير ما اكتب حاجة. مش عارف ليه الفترة الغريبة دي؟ أنا حالياً عامل زي زجاجة الحاجة الساقعة؛ الدنيا بترُج فيا، وبرضة مفيش فايدة، مش عاوز -أو مش عارف- أندفع للأمام، واخلع الغطا واخرج.. حلو التشبيه دة :)

طب اتكلم عن إيه؟ دي مشكلة أخرى: وهي إني مشوش.. مش عارف اتكلم عن نفسي ولا عن الناس، عن السياسة، ولا الفن ولا الأدب، ولا آخدها من قاصرها واكتب قصة جديدة؟؟؟ هو دة.. أنا مشوش جداً.

طب انا محتاج إيه؟ ماهو العلاج المناسب، للخروج من هذه الحالة اللعينة، ولماذا تنتابني كل فترة، وكل مرة تبقى طويلاً، أطول من سابقتها؟؟؟ علامات استفهام كتير أوي في التدوينه.

أنا مؤمن؛ إن الإنسان -أو أنا عـ الأقل- سبب شقائه. أنا مؤمن إن الحل والعقدة في إيدي.. لكن الجدعنه إنك تلاقي العقدة، وتعرف الحل. بيقولوا ان أول الطريق لحل أي مشكلة، هو إنك تعترف بالمشكلة دي.. طب انا مش عارف إيه هي!!.

مشكلة كبيرة أخرى، وهي: إني حاسس ان كل شيء عبارة عن هراء.. مبقاش فيه انبهار الطفل الصغير بأي لعبة.. دي حاجة مخوفاني جداً. الإنبهار هو اللي بيخلينا -بيخليني- نستمر، كلمة (واااااااااااااااو) هي السر.. كل أكله حلوة، وكل فيلم جديد، كل مناسبة سعيدة، وكل نجاح محقق؛ لازم يتبع كل الحاجات دي الـ (وااااااااااااااو)؛ إللي من غيرها هتبقى الحاجات دي ولا شيء.. ممكن تفتعل الإنبهار، لكنه لن يكون حقيقياً أبداً.. يجب أن تنبع الـ (واااااااااااااااو) من الداخل.. 

يعني مثلاً:

  • أنا الفترة دي، عمّال احمّل أفلام ومسلسلات كنت منتظرها، لكن الـ (وااااااااااااو) لم تنبع من الداخل.
  • فرص كتير للنشر، ومسابقات كتير للإشتراك، وأفكار كتير للكتابة، لكن الـ (واااااااااااو) لم تنبع من الداخل.
  • كتب جديدة وحاجات كتير للقراءة، لكن الـ (واااااااااااااااااااااااااااااااااااو) لم تنبع من الداخل.

طبعاً دة بغض النظر عن دراستي اللي أنا مش متحمس لها من البداية أصلاً، ولا بعتبر أي حاجة بتحصل فيها -مفيش حاجة بتحصل- تستحق الـ (واااااااااو) الخاصة بيا. جدياً: أحياناً لمّا بلقي نظرة على حياتي من بعيد كدة، بحس ان مفيهاش (الشيء الكبير) اللي كنت اتكلمت عنه في تدوينة قديمة..

يعني فيه ناس بتتجوز، وناس بتخلف، وناس بتشتغل، وناس بتترقى في أشغالها، وناس بتكسب فلوس، وناس بتكتب، وناس بتنشر، وانت بتتكلم في فيلم؟ دة آخرك؟ يا أخي (...)

أوف..  أعتقد اننا أحرزنا تقدم هنا، صح؟ كتبت كلمتين حلوين ملهمش لازمة آهو.. 

وقبل ما اقفل: ياريت لو فيه طبيب نفسي، مر بالصدفة على التدوينة، يرد عليا؛ لو يعرف حاجة تفيدني..

سلام.

22 فبراير، 2012
» تابع القراءة

صباح الخير على كل زوار المدونة.. كنت سعيد جداً بمتابعتكم للتدوينة السابقة متابعة إصدارات معرض الكتاب 2012، التي وصل عدد زوارها حتى الآن إلى 929 زائر، وآسف اني مكملتش فيها.. تقدورا تتابعوني بعد كدة -بالنسبة لأخبار الإصدارات- على صفحة أخبار الأدب والكتب على فيس بوك.. هناك هتلاقوا تغطية أوسع لكل حاجة. اليوم، هو أول يوم في معرض الكتاب، يُعتبر عيد بالنسبة للناس المهتمين بالأدب والثقافة.. أتمنى تستمتعوا بكل لحظة تقضوها وسط الورق والكتب. هكون موجود هناك بإذن الله، من الساعة 12.. تمنياتي لكم بقضاء يوم سعيد :-)

أضف تعليقاً

| 0 التعليقات ]

قلعة قابعة على سفح تل.. قلعة متهدمة في أكثر من موضع، كئيبة المنظر.. الأبراج العاليه، والجدران المتشققه، والحجارة المتساقطة المتناثرة حولها.. ياله من منظر، يستحق أن يحتل رقعة في أعمق مكان من ذكرياتك الكابوسية السوداء.. هناك شواهد قبور تحتل مساحة لا بأس بها في مكان قريب من القلعة، وكل شاهد حُفر عليه اسم صاحبه بخطوط كبيره وحروف بارزة.. تتخلخل التربة أمام الشواهد، وتمتد أيدي عظمية خارج التربة، تحاول الصعود.. هيكل، اثنان، ثلاثة، أربعة.. سبعة هياكل عظمية تحررت من قبورها.. سبعة هياكل عظمية اخترقت توابيتها، وحفرت طريقاً للخروج من تربتها.. وهاهم يتحركون، بخطى بطيئة، آليه، مترنحه.. يتحركون باتجاه القلعة أعلى التل.. على ماذا ينوون؟.

وحول القلعة كانت الذئاب تتجمع بكثرة وتعوي، تتخذ وضعية الإستعداد للهجوم.. يبدو أنهم ينوون التصدي للهياكل القادمة نحوهم بأنيابهم المطليه بلون الدم، ومخالبهم المتشوقه لنهش العظام.
.
بضعة أمتار تفصل بين الذئاب الواقفين أمام القلعة، والهياكل العظمية السبعة المتقدمة بخطى بطيئة تدعو للملل، أكثر من التحفز.. ولكن الهياكل تتوقف فجأة عن الحركة.. تهتز أجسادها العظمية، يقتربون من بعضهم، تتلامس عظامهم.. وتلتحم.. في مشهد غريب -أغرب مما يحدث الآن- تتشابك عظام السبعة، وتلين، وتلتحم؛ لتكون هيكل عظمي واحد كبير.. الآن، لم يعد للهياكل السبعة وجود، بل هيكل عظمي واحد عملاق، يتقدم نحو القلعة والذئاب القابعة أمامها.. ما إن وصل حتى ركضت الذئاب نحوه، لكنهم لم يكادوا يصلوا إليه، حتى رفع ساقه العظميه ودهس أغلبهم، وبساقه الأخرى دهس الباقين؛ ليتحولوا جميعهم إلى شرائح لحم ذئاب.. 

الآن، وقد تخطى الهيكل عائقه الوحيد.. هاهو يقف أمام القلعة العملاقة، التي بدا بجانبها صغيراً؛ لضخامتها.. ينظر لها بعينيه الغير موجودتين، ويرفع رأسه وذراعيه للسماء، ويعوي عواءً ترتج له جدران القلعة، وتتساقط منها المزيد من الأحجار.. الآن سوف يفعل ما أتى من أجله.. يمد يده إلى داخل نافذة أحد غرفات القلعة.. يعبث بداخلها قليلاً، وتتوقف يده عندما يجد هدفه.. وتنبعث الموسيقى من الجرامافون الذي وجده..
.
الآن فقط، يستطيع أن يرقص.. يرقص الهيكل العظمي مع الموسيقى، وتأتي الخفافيش من أحد أبراج القلعة لتحلق حوله.. يرقص ويضحك، يحرك يده لأعلى وأسفل، يدور، ويتمايل، وينثر التراب من حوله..

ظل هكذا حتى سطعت الشمس، وكما تقول الأسطورة، تحول الهيكل العظمي إلى رماد، وتحررت أرواح السبعة منه..

لكن الأرواح، لم تذهب إلى السماء..
.
لقد اختارت أن تبقى قليلاً..
.
ترقص، حتى انتهاء اللحن.


7يناير، 2012


محلوظة: مكنتش ناوي اكتب، والكتابة رايحه مني خالص، بس كتبت عملاً بنصيحة د.شريف عرفة في الجزء الأول من مقال (كيف تدير موهبتك)، واللي بيقول فيه:

"عليك أن تفرغ عقلك من الأفكار الإبداعية التي تشغله, كي يكون هناك متسع للمزيد من الأفكار الجديدة. الفكرة المحبوسة بتعمل قفلة في الدماغ (كده بالبلدي) عشان كده لازم تطلعها بأي طريقة (تكتبها أو ترسمها أو تغنيها أو......) عشان تفضى لفكرة جديدة غيرها."

وأنا دماغي من زمان مليانه هياكل عظمية، وقِلاع، وعناكب، وأجواء قوطية كدة.. وفعلاً جزء من الأفكار دي اختفى أو خفّ عن دماغي شوية، وأتمنى اني ارجع اكتب تاني قريب. وأنصح بقراءة المقال؛ لإنه مفيد جداً.
» تابع القراءة