| 0 التعليقات ]

ستيفن كينج: لماذا لازلت أكتب القصص القصيرة
مقدمة مجموعته القصصية The Bazaar of Bad Dreams
ترجمة مصطفى اليماني

ستيفن كينج

كعادته، يحب كينج أن يُصدِّر كل كتبه بمقدمة يعيد فيها تعريف نفسه ومايمارسه. في الواقع هذا شيء يبهرني في كينج، إلى جانب كتاباته بالطبع. الرجل كمايمثل له العالَم بأكمله مادة تصلح للكتابة، بكل مافيه من أحداث ومايتعرض له من مواقف شخصية، تافهة كانت أو عظيمة، فإن كل نص يكتبه، يمثل له قصة أخرى! فنجده يُصدِّر نصوصه بالمواقف التي أدت لكتابة تلك النصوص، وغالبًا مايكون الأمر ملفت للنظر، سواء في محتواه الثري، أو حتى تفاهته التي أدت لكتابة نص كامل.

في مجموعته القصصية الأخيرة The Bazaar of Bad Dreams "بازار الكوابيس" يكتب كينج مُقدِّمَة يطرح في بدايتها سؤال هام: لماذا لايزال يكتب القصص القصيرة، ويجيب عليه إجابة أشبه بكبسولة شاملة لمحبي هذا الفن، وسالكيه. "هذا الفن الذي أوشك على الإنقراض"، كما أطلق عليه كينج في مقدمة مجموعة أخرى، ويوشك هذا على أن يكون حقيقيًا بكل أسف.

اخترت هذه المقدمة القصيرة، لأني أعشق هذا الفن، وأحترِم كل المخلصين له -كُتّابًا وقُرّاء- بعيدًا عما يطلبه السوق.
 ***
قد تصيبك الدهشة من كم الذين يسألونني: لماذا لازلت أكتب القصص القصيرة، والحقيقة أن السبب هو البساطة ذاتها: كتابة القصص القصيرة تجعلني سعيدًا، ولأنّي نشأت لأمتِع الناس. أنا لست ممتازًا في عزف الجيتار، ولا أستطيع آداء الرقص النقري على الإطلاق، لكني أجيد كتابة القصص القصيرة، فأكتبها.

أؤكد لك أنني روائي بالفطرة، ولدي ولعٌ كبير بالنصوص الطويلة التي تخلق تجربة غامرة للكاتب والقارئ، النصوص الطويلة حيث لدى الخيال فرصة ليغدو عالَم أقرب للحقيقة. لايدخل الكاتب وقارئه في علاقة وطيدة فحسب عند نجاح كتاب طويل، بل تتحول تلك العلاقة لشيء أقرب للزواج. عندما أتلقى رسالة من قارئ يخبرني فيها أنه شعر بالأسف عند انتهاءه من The Stand أو 11.22.63، أشعر أن الكتاب حقق نجاحًا حقيقي.

لكن هناك مايمكن أن يقال عن تجربة أقصر وأكثر كثافة: أنها يمكن أن تكون مُنعِشة، أو حتى صادمة في بعض الأحيان، مثل رقص الفالس مع غريب لن تراه مرة أخرى، أوقُبلَة في الظلام، أو تُحفَة جميلة معروضة للبيع فوق بطانية رخيصة في الشارع. الوصف الأخير ينطبق علي في الواقع، دائمًا ما أشعر عند نشر قصصي وكأنني بائعٌ متجوِّل، لايروج لبضاعته سوى عند انتصاف الليل، حيث أعرض تشكيلتي وأدعوك ياقارئي لتقترب وتنتقي مايروقك منها. لكنني دائمًا ما أضع التحذير الملائم: كن حذرًا ياقارئي، فبعض هذه السلع يشكل خطورة. إنها تلك الأشياء التي تخفي الكوابيس في باطنها، والتي تشغل تفكيرك عندما يجافيك النوم، وتتساءل عن سبب انفتاح باب الخزانة، رغم أنك تعلم جيدًا أنك أغلقته.

سأكون كاذبًا لو ادّعيت أنني استمتعت دومًا بالإنضباط الصارم الذي تفرضه كتابة القصة القصيرة. القصص القصيرة تتطلّب نوعًا من المهارات البهلوانية التي تستغرق الكثير من الممارسة المُرهِقة. قال بعض المعلمين أن القراءة اليسيرة نتاج كتابة شاقة، وهم على حق.

الأخطاء التي يمكن التغاضي عنها في الرواية، تصبح واضحة وضوح الشمس في القصة القصيرة، لذا من الضروري أن يتحلّى الكاتب بالإنضباط الصارم، أن يكبح رغبته في الإنسياق وراء بعض المواضيع الجانبية الجذّابة، ويصب تركيزه على الموضوع الرئيسي.

لا أشعر أن هناك قيودًا على موهبتي كما أشعر عند كتابة القصة القصيرة. عندها أجدني مضطرًا لمقاومة شعوري بالتقصير، وخوفي الشديد من أنني لن أكون قادرًا على جسر الهُوَّة بين الفكرة العظيمة وتحقيق إمكانيات هذه الفكرة. الخُلاصة، أن المُنتَج النهائي لايبدو جيدًا بقدر الفكرة المدهشة التي نبتت من اللاوعي ذات يوم إلى جانب التفكير الحماسي الذي يصرخ فيك: يجب أن تكتب هذه القصة فورًا!

أحيانًا تكون النتيجة جيدة جدًا رغم ذلك، وفي بعض الأحيان، تكون أفضل حتى من الفكرة الأصلية. أحب حينما يحدث لي هذا. إلا أن التحدي الحقيقي يتمثَّل في بدء الكتابة، وأؤمن أن هذا التحدي سبب عدم تحوُّل العديد من الكُتّاب المحتملين ذوي الأفكار العظيمة إلى كُتّابٍ فعليين. الأمر يشبه محاولة تشغيل سيارة في يوم بارد. في البداية لاتسمع سوى أنين المُحرِّك، لكن لو واصلت المُحاوَلة (ولو كانت البطارية بخير)، سيدور المُحرِّك وتنطلق السيَّارة.

ستجد قصصًا خطرت لي في لحظة إلهام في هذه المجموعة (قصة Summer Thunder كمِثال)، وكان يجب أن تُكتَب في جلسة واحدة، حتى لو عنى هذا التوقف عن كتابة رواية. هناك قصص أخرى انتظرت دورها بصبر لعقود، مثل Mile 81. بيد أن التركيز الشديد اللازم لكتابة قصة قصيرة جيدة لايتغير أبدًا. كتابة الروايات أشبه بلعب البيسبول، حيث تستمر المباراة طالما يجب أن تستمر، حتى لو عنى هذا الإستمرار لعشرين جولة. كتابة القصص القصيرة أشبه بلعب كُرة السلة أو القدم، حيث تجد نفسك في منافَسَة ضد كلٍ من الوقت والفريق الآخر.

لاينتهي منحنى التعلُّم أبدًا، حينما يتعلّق الأمر بكتابة الخيال، سواء كان طويلًا أو قصيرًا. قد أكون كاتبًا محترفًا بالنسبة لمصلحة الضرائب عند إعداد إقراري الضريبي، لكني لازلت هاويًا من الناحية الإبداعية، ولازلت أتعلّم حرفتي. لازلنا نتعلّم جميعًا. كل يوم نقضيه في الكتابة نكتسب فيه تجربًة جديدة، ونخوض فيه معركة للقيام بشيء جديد. لكن التقاعس عن ممارسة الكتابة باستمرار أمر ممنوع. الممارسة المستمرة لن تنمّي من موهبة الكاتب -التي يفترض أنه يملكها بالفعل- لكنها يمكن أن تقي الموهبة من الإنكماش. أو هذا ما أعتقده على الأقل.

إذن، هاهي بضاعتي ياعزيزي القارئ. الليلة سأبيع القليل من كل شيء: وحش يبدو كسيارة (ذكريات كريستين)، ورجل يستطيع قتلك عن طريق كتابة نعيك، وقارئ إلكتروني يلج إلى عوالم موازية، وقصتي المفضلة دائمًا: نهاية العرق البشري. أحب أن أبيع تلك البضاعة عندما يذهب بقيّة البائعين إلى منازلهم، عندما تخلو الشوارع وتتساقط ندف الثلج فوق أودية المدينة. عندها فقط أفرش بطانيتي وأعرض بضاعتي فوقها.
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

اختفاء الفيل
قصة قصيرة لـ هاروكي موراكامي
ترجمة مصطفى اليماني

العنوان الأصلي للقصة: The elephant vanishes، أو: الفيل يختفي

عندما اختفى الفيل من بلدتنا، قرأت خبر اختفاءه في الصحيفة. أيقظني المنبه ذلك اليوم في السادسة والربع كالمعتاد. ذهبت إلى المطبخ، أعددت القهوة والتوست، أدرت الراديو، فتحت الصحيفة على طاولة المطبخ، وشرعت في الأكل والقراءة. أنا واحد من هؤلاء الذين يقرأون الصحيفة من البداية للنهاية، بالترتيب، لذا فقد استغرق الأمر وقتًا حتى أصل للمقال الذي يتحدث عن الفيل المختفي. كانت الصفحة الأولى مليئة بقصص البيانات الجغرافية والإحتكاك التجاري مع أمريكا، طالعت بعد ذلك الأنباء الوطنية، والسياسة الدولية، والإقتصاد، والرسائل المرسلة للمحرر، والمراجعات النقدية للكتب، وإعلانات العقارات، والتقارير الرياضية، وأخيرًا؛ الأخبار الإقليمية.

مقال الفيل كان القصة الرئيسية في القسم الإقليمي. لفت انتباهي العنوان الذي كُتِب بخطٍ أكبر من المعتاد: فيل مفقود في ضواحي طوكيو، وأسفله، بخطٍ أصغر: مخاوف المواطنين تتعاظم، والبعض يطالب بالتحقيق. كانت هناك صورة لرجال الشرطة وهم يفتشون بيت الفيل الفارغ، بدا أن هناك خطأ بالبيت وهي لايحوي الفيل بداخله. بدا أكبر مما يلزم، خاوٍ وفارغ، كوحش ضخم، يابس، اقتُلعت أحشائه.

درست كل سطر في المقال، بينما أتخلص من فِتات التوست. لوحظ غياب الفيل أول مرة في الثانية بعد ظهر أول البارحة الموافق 18 مايو، عند تسليم رجال من شركة الغداء المدرسي شحنتهم المعتادة من الطعام (غالبًا ما يأكل الفيل بقايا غداء الأطفال من المدرسة الإبتدائية المحلية). على الأرض كان يكمن القيد الحديدي الذي كان يقيد ساق الفيل الخلفية، ولايزال مغلقًا، كما لو أن الفيل انزلق منه. لم يكن الفيل وحده من فُقِد، كذلك اختفى حارسه، الرجل الذي كان مسؤولًا عن رعاية الفيل وتغذيته من البداية.

كان بعضًا من تلاميذ المدرسة الإبتدائية آخر من شاهد الفيل وحارسه -وفقًا للمقال- في وقتٍ ما بعد الخامسة من مساء اليوم السابق الموافق 17 مايو. كانوا يزورون بيت الفيل لرسم بعض الإسكتشات. وكان هؤلاء التلاميذ آخر من رأوا الفيل، كماتقول الصحيفة، منذ أغلق الحارس بوابة حظيرة الفيل، عندما انطلقت صفارة السادسة، معلنة انتهاء اليوم.

لم يكن هناك شيء غير عادي بشأن الفيل أو حارسه في هذا الوقت، وفقًا لشهادة التلاميذ. كان الفيل يقف في وسط الحظيرة كما اعتاد الوقوف دائمًا، يهزّ خرطومه من جانب لآخر أحيانًا، أو يحدق بعينيه المجعدتين. كان فيل عجوز بشع، تمثل له كل حركة جهدًا هائلًا؛ لدرجة أن الذين يروه للمرة الأولى، كانوا يخشوا أنه ربما ينهار في أي لحظة، لافظًا أنفاسه الأخيرة.

تبنّت بلدتنا الفيل قبل عام لسنه الطاعنة. عندما تسببت المشاكل المالية في إغلاق الحديقة الصغيرة في طرف البلدة، وجد تاجر للحيوانات البرية مكانًا للحيوانات الأخرى في حدائق بمختلف أنحاء البلاد. لكن يبدو أن كل الحدائق كان لديها الكثير من الفيلة، ولم تكن أيًا منهم مستعدة لاقتناء فيل واهن عجوز، يبدو كما لو أنه سيموت بأزمة قلبية في أي لحظة. وهكذا، بعدما رحلت صحبته، بقي الفيل وحيدًا في حديقة بالية، لما يقرب الأربعة أشهر، بلا أي نفع. ليس كما لوكان نافعًا في الماضي على أية حال.

جلب الفيل مشاكل جمة لكلٍ من الحديقة والبلدة. كانت الحديقة قد باعت أرضها لمطور عقارات يخطط لبناء ناطحة سحاب سكنية، وأصدرت البلدة التصاريح اللازمة بالفعل. طالما ظلت مشكلة الفيل بلاحل، كلما تضاعف ظن مطور العقارات أنه اشترى الهواء. ظل قتل الفيل أمر غير مطروح رغم ذلك. ربما كان القتل واردًا، لو كان سعدان عنكبوتي أو خفاش، لكن التستر على قتل فيل كان في غاية الصعوبة، ولو انكشف الأمر بعد ذلك، ستكون التداعيات هائلة. وهكذا، اجتمعت الأطراف المختلفة لمناقشة المسألة، وأعدوا اتفاقًا للتخلص من الفيل العجوز:

1. تمتلك المدينة الفيل دون أي تكلفة.
2. يوفر مطور العقارات قطعة أرض، دون مقابل، لإقامة الفيل.
3. يتحمل مُلّاك الحديقة السابقين مسؤولية دفع أجر الحارس.

كان لدي اهتمام خاص بمشكلة الفيل من البداية، وقد احتفظت بكل قصاصة وجدتها عن الموضوع، حتى أنني ذهبت لأستمع لمناقشات مجلس المدينة بشأن المسألة؛ لهذا أستطيع تقديم بيان كامل ودقيق لمجرى الأحداث. ولمّا كان تقريري مفصلًا إلى حدٍ ما، فقد اخترت وضعه هنا، في حالة وجود علاقة مباشرة بين مشكلة الفيل واختفاءه.

عندما انتهى العمدة من التفاوض بشأن الإتفاق -مع حكمه بتولي المدينة مسؤولية الفيل- برزت حركة مُعارِضة للإجراءات من داخل صفوف حزب المُعارَضة (والذي لم أكن أتصور وجوده حتى ذلك الحين)، وسألت العمدة: «لماذا يجب أن تمتلك البلدة الفيل؟»، وأثاروا النقاط التالية (آسف على تضمين كل هذه القوائم، لكني أستخدمها لجعل الأشياء أسهل للفهم):

1. مشكلة الفيل كانت أمرًا يخص مؤسسات خاصة -الحديقة ومطور العقارات، فلايوجد سبب لتصبح المدينة طرفًا في الأمر.
2. تكاليف الرعاية والتغذية سوف تكون مرتفعة للغاية.
3. ماذا ينوي العمدة أن يفعل حيال مشكلة الأمن؟
4. ما الفائدة التي ستعود على البلدة بامتلاكها الفيل؟

- «على البلدة عدد كبير من المسؤوليات يجب أن تعتني بها قبل أن تقحم نفسها في أعمال تربية الأفيال، مثل إصلاح المجاري، وشراء سيارة إطفاء جديدة، إلى آخره».

أعلنتها جماعة المعارضة، وبينما لم يقولوها صريحة، فقد لمحوا لاحتمالية وجود صفقة سرية بين العمدة ومطور العقارات.

قال العمدة ردًا على ذلك:

1. لو سمحت البلدة ببناء ناطحة السحاب، ستزداد عوائدها الضريبية بشكلٍ هائل، لدرجة أن تكلفة الإحتفاظ بالفيل ستغدو ضئيلة بالمقارنة؛ وبالتالي، من المنطقي أن تعتني البلدة بالفيل.
2. كان الفيل عجوزًا للغاية، لدرجة أنه لا يأكل كثيرًا، ولايحتمل أن يشكل خطرًا على أي شخص.
3. عندما يموت الفيل، ستستحوذ البلدة بالكامل على الأرض التي تبرع بها مطور العقارات.
4. يمكن أن يصبح الفيل رمزًا للبلدة.

أفضت المناقشة الطويلة للإتفاق على أن البلدة سوف تتولى مسؤولية الفيل. كضاحية سكنية عتيقة وراسخة، تمتعت البلدة بحياة رغيدة نسبيًا، وأساسها المالي كان سليمًا. كان تبنّي الفيل الشريد خطوة يمكن أن ينظر لها الناس بشكلٍ إيجابي. أحب الناس الفيلة الهرمة أكثر من المجاري وسيارات الإطفاء.

أنا شخصيًا كنت أؤيد تولي المدينة رعاية الفيل. صحيح أنني كنت قد سئمت ناطحات السحاب، لكني أحببت فكرة أن تمتلك المدينة فيلًا.

تم تهذيب منطقة مشجرة، ونقلوا إليها صالة الألعاب العتيقة للمدرسة الإبتدائية لتمثِّل بيت الفيل. سيأتي الرجل الذي عمل على حراسته سنوات عديدة ليقيم معه في البيت. سيُطعَم الفيل من بقايا غداء الأطفال. وأخيرًا، نُقِلَ الفيل في مقطورة إلى مسكنه الجديد، ليقضي هناك ماتبقى من عمره.

انضممت إلى الحشد في مراسم الإحتفال بالفيل. وقف العمدة أمام الفيل وألقى خطابًا عن تنمية المدينة وإثراء المنشآت الثقافية، ووقف أحد تلاميذ المدرسة الإبتدائية، ممثلًا الهيئة الطلابية، ليقرأ مقال إنشائي «فلتعش حياة مديدة، وافرة بالصحة، سيدي الفيل»، وكان هناك مسابقة في الرسم (صار رسم الفيل بعد ذلك جزءًا لايتجزأ من التعليم الفني للتلاميذ)، وتولّت شابتين بفساتين ميّاسة (لم تكن أيًا منهما ذات جمال لافت) مهمة إطعام الفيل حفنة من الموز. تحمَّل الفيل هذه الإجراءات الإفتراضية الفارغة (وهي فارغة تمامًا بالنسبة إلى الفيل) بلا أن يحرِّك جفنًا، والتهم الموز بعينين شاردتين. وعندما انتهى من تناول الموز، هلل الجميع.

ارتدى الفيل في ساقه اليمنى الخلفية، قيد حديدي ثقيل، امتدت منه سلسلة سميكة بطول 30 قدم تقريبًا، تلك السلسلة اتصلت بدورها جيدًا بلوحٍ خرساني. أي شخص يمكن أن يرى مدى قوة المرساة التي ثبتت الفيل في المكان؛ حيث يمكن أن يكافح الفيل بكل قوته لمئة عام، ولايتمكن من كسر القيد أبدًا.

لم أستطع تخمين ما إذا كان الفيل منزعجًا من قيوده. على الأقل لم يبدو على ملامحه أي وعي بقطعة المعدن الضخمة الملتفة حول قدمه. لقد أبقى نظرته الفارغة معلقة بنقطة مجهولة في الفضاء، بينما تتمايل أذناه وشعيرات جسده البيضاء القليلة بلطف مع النسيم.

كان حارس الفيل عجوزٌ ضئيلٌ نحيل، وكان من الصعب تخمين عمره، قد يكون في أوائل الستينات أو في أواخر السبعينات. كان واحدًا من أولئك الذين لايستمر مظهرهم بالتأثر بالسن بعد مرورهم بنقطة معينة في الحياة. كانت تظهر بشرته بلون سفعة الشمس الحمراء الداكنة، سواء في الصيف أو الشتاء، وكانت عيناه صغيرتان. لم يكن لدى وجهه سمات مميزة، لكن كان لديه أذنين دائريتين ذات بروزٍ يثير القلق.

لم يكن رجلًا بغيضًا، وكان واضحًا في أنّهُ لن يصد أي شخص يحاول التواصل معه، كما أنه يمكن أن يصير جذّابًا تقريبًا لو أراد، رغم أنك ستعلم دائمًا أنه كان منزعجًا إلى حدٍ ما. إجمالًا، سيظل عجوز، متحفظ، وحيد. كان يبدو أشبه بالأطفال الذين يزورون بيت الفيل، وكان يحاول أن يكون لطيفًا معهم، لكن الأطفال لم يشعروا بالحميمية أبدًا تجاهه.

لم يشعر بالحميمية تجاهه سوى الفيل. عاش الحارس في غرفة صغيرة مجهزة، ملحقة ببيت الفيل، يمكث مع الفيل طيلة اليوم، ملبيًا احتياجاته. كانا معًا لأكثر من 10 سنوات، ويمكن أن تستشعر مدى انسجامهما في كل لفتة ونظرة. كلما أراد الحارس تحريك الفيل الشارد من مكانه، لم يكن عليه سوى الوقوف بجواره، ونقر ساقه الأمامية، وهمس شيئًا في أذنه، فيحرك الفيل جسده الضخم، حيث أراد الحارس بالضبط، متخذًا وضعيته الجديدة، ومتابعًا التحديق في بقعة ما في الفضاء.

كنت أمر على بيت الفيل في عطلة نهاية الأسبوع، وأدرس هذه العمليات، لكني لم أتمكن أبدًا من معرفة المبادئ التي يستند عليها التواصل بين الحارس والفيل. ربما يستطيع الفيل فهم بضع كلمات بسيطة (لقد عاش طويلًا كفاية ليفهم بالتأكيد)، أو ربما يتلقى تعليماته من خلال النقرات المختلفة على ساقه. أو ربما يملك بعض القدرات الخاصة مثل التخاطر الذهني، ويستطيع قراءة ذهن الحارس. سألت الحارس ذات مرة كيف يعطي أوامره للفيل، لكن العجوز لم يفعل سوى الإبتسام، وقال: «نحن معًا منذ وقتٍ طويل».

وهكذا مر عام، ثم اختفى الفيل دون سابق إنذار. كان هنا ذات يوم، وفي اليوم التالي لم يعد هنا.

سكبت لنفسي المزيد من القهوة، وقرأت القصة مجددًا من البداية للنهاية. الحقيقة أنه كان مقال غريب جدًا، من النوعية التي قد تثير اهتمام شيرلوك هولمز ذاته، حتى أنه كان ليقول وهو ينقر غليونه: «انظر لهذا يا واطسون، أنه مقال مثير جدًا للإهتمام. مثير جدًا حقًا».

مامنح المقال مسحته الغريبة كان الإرتباك الواضح وحيرة الصحفي، الإرتباك والحيرة اللذان نبعا بالطبع من عبثية الوضع ذاته. يمكن أن ترى كيف أن الصحفي كافح من أجل العثور على طرق ذكية وسط العبث سعيًا لكتابة مقال ”طبيعي“. لكن الكفاح لم يفعل سوى الدفع بارتباكه وحيرته لدرجة ميؤوس منها.

على سبيل المثال، يستخدم المقال عبارات مثل ”هروب الفيل“، لكن لو نظرت للصورة الكاملة، ستجد أنه من الواضح أن الفيل لم ”يهرب“ بأي حال من الأحوال، بل تبخر في الهواء. كشف الصحفي عن حيرته عندما ذكر أن بعض ”التفاصيل“ مازالت ”غير واضحة“، لكني شعرت أن هذه ليست ظاهرة يمكن نبذها باستخدام مصطلحات عادية مثل ”تفاصيل“، أو ”غير واضحة“.

أولًا، هناك مشكلة القيد الحديدي الذي كان يقيد ساق الفيل، ووُجِدَ مُغلقًا كماهو. التفسير الأكثر منطقية لهذا سيكون أن الحارس قام بفكّ الحلقة عن ساق الفيل وأعاد إغلاقها مجددًا، وهرب مع الفيل. تلك الفرضية التي تمسَّكَت بها الصحيفة بإصرار يائس، رغم حقيقة أن الحارس لم يكن لديه المفتاح! لايوجد سوى مفتاحين، أبقتهما البلدة داخل خزينتين آمنتين، واحد في مقر الشرطة الرئيسي، والآخر في محطة الإطفاء، كلاهما بعيدًا عن متناول الحارس، أو أي شخص قد يحاول سرقتهما. وحتى لو نجح أحدهم في سرقة مفتاح، فلايوجد مايدفع هذا الشخص لإعادة المفتاح بعد استخدامه. في صباح اليوم التالي وُجِد المفتاحين في خزينتيهما داخل مركزيّ الشرطة والإطفاء. ممايدفعنا إلى استنتاج أن الفيل قد سحب ساقه خارج الحلقة الحديدية دون مساعدة المفتاح، وهذه استحالة مُطلَقَة، إلا أذا قام أحدهم بنشر ساق الفيل.

المشكلة الثانية هي طريقة الهروب. أحيط بيت الفيل وحديقته بسياج ضخم ارتفاعه حوالي 10 أقدام. حظت مسألة الأمن بنقاش ساخن في مجلس المدينة، واستقرت المدينة على نظام يمكن أن يعتبر باهظًا نوعًا لمنع فيل عجوز من الهرب. غُرِزَت قضبان حديدية ثقيلة في قاعدة خرسانية سميكة (تحملت الشركة العقارية تكلفة السور)، وكان هناك مدخل واحد فقط، وُجِد مُغلقًا من الداخل. لم يكن هناك سبيل لهروب الفيل، في ظل وجود هذا السياج المنيع.

المشكلة الثالثة هي مسارات الفيل. هناك تلة شديدة الإنحدار تقع مباشرًة خلف سياج الفيل، ويستحيل أن يكون الفيل قد تسلقها، فحتى لو افترضنا أن الفيل قد تمكن من سحب ساقه بطريقٍة ما خارج القيد الحديدي وقفز فوق سور ارتفاعه 10 أقدام، فسيظل مضطرًا لسلوك الطريق الذي يقع أمام السياج، ولم يكن هناك علامة واحدة في أي مكان فوق أرض هذا المسار يمكن أن تعتبر بصمة لفيل.

وسط كل تلك الألغاز التي طُرِحت والتساؤلات واللف والدوران، تطرق مانشرته الصحيفة لكل الإستنتاجات، عدا استنتاج واحد: أن الفيل لم يهرب، وإنما اختفى.

غني عن الذِكر أن كلٍ مِن الصحيفة والشرطة والعمدة لم يكن لديهم استعداد للإعتراف -علنًا على الأقل- أن الفيل قد اختفى. واصلت الشرطة تحقيقها، ولم يقل المتحدث باسمها سوى أن الفيل إما «اختُطِف أو سُمِح له بالهرب في خطوة ذكية، وتعمد محسوب. أنها فقط مسألة وقت حتى نتمكن من حل القضية؛ نظرًا للصعوبة التي تكمن في إخفاء فيل»، وأضاف لهذا التقييم المتفائل أنهم كانوا يخططون لتمشيط غابات المِنطقة بمعونة نوادي الصيد المحلية وقناصة من قوات الدفاع الوطنية.

عقد العمدة مؤتمرًا صحفيًا، حيث أعرب عن اعتذاره لنقص موارد شرطة المدينة، وأعلن في الوقت نفسه أن «نظام الفيل الأمني يماثل قطعًا الوسائل الأمنية في أي حديقة حيوان في البلاد، بل أنه أقوى بكثير في الواقع، وأكثر أمنًا من الأقفاص الإعتيادية»، وأشار إلى أن «هذا فعل خطير وأحمق، وهو من أكثر الأفعال خبثًا ومعاداة للمجتمع، ولايمكن أن نسمح له بالمرور دون عقاب».

أطلق أعضاء حزب المعارضة في مجلس المدينة الإتهامات، كمافعلوا العام السابق: «نحن نعتزم أن ننظر في أمر مسؤولية العمدة السياسية؛ لقد تواطأ مع مؤسسات القطاع الخاص بغية قطع وعود وهمية لأهالي البلدة لحل مشكلة الفيل».

قالت إحدى الأمهات القلقات (تبلغ من العمر 37 عامًا) في حوار مع الصحيفة: «صرت أخشى الآن ترك طفلي يلعب في الخارج».

شملت التغطية موجز تفصيلي للخطوات التي أدت لقرار تبني المدينة للفيل، ورسم جوي لبيت الفيل والحديقة، وتاريخ مختصر للفيل والحارس الذي اختفى معه. الرجل، نوبورو واتانابي، البالغ من العمر 63 عامًا، كان من تاتياما في مقاطعة تشيبا. عمل لسنوات عديدة كحارس في قسم الثدييات بحديقة الحيوان، و”قد حظي بكامل ثقة سلطات الحديقة، نظرًا لعلمه الغزير بهذه الحيوانات وشخصيته الصادقة الدافئة“. كان الفيل قد أُرسِل من شمال أفريقيا قبل 22 عامًا، لكن قِلّة من كانوا على علم بعمره الدقيق أو ”شخصيته“. اختتم التقرير بطلب الشرطة من مواطني المدينة أن يتقدموا بأية معلومات قد تكون لديهم بشأن الفيل.

فكرت قليلًا في هذا الطلب وأنا أحتسي فنجان القهوة الثاني، لكني قررت ألا أتصل بالشرطة. فضّلت عدم التورط معهم لو كان بإمكاني مد يد العون، وشعرت أنهم لن يصدقوا مالدي. أي فارق يمكن أن تصنعه جراء التحدث مع أشخاصٍ كهؤلاء، أشخاص لن ينظروا حتى في احتمالية أن الفيل قد اختفى ببساطة؟

أخذت دفتر القصاصات من فوق الرف، قصصت مقالة الفيل، ولصقتها بداخله، ثم غسلت الأطباق واتجهت إلى المكتب.

شاهدت البحث في أخبار الساعة السابعة. كان هناك صيادين يحملون بنادق ذات فوّهات واسعة ملقمة بسهام مهدئة، وفرقة من قوات الدفاع الذاتي، ورجال شرطة، ورجال إطفاء، يمشطون جميعًا كل إنش مربع من الغابات والتلال في المنطقة المحيطة، كما حلقت المروحيات في السماء. نحن نتحدث بالطبع عن نوعية ”الغابات“ و”التلال“ التي تجدها في الضواحي خارج طوكيو، حيث لم يكن أمامهم منطقة شاسعة للتغطية. ينبغي أن يكون يوم أكثر من كافي لإنهاء البحث، مع كل هؤلاء المشاركين. وهم لايبحثون عن قاتل صغير معتوه؛ بل يسعون وراء فيل إفريقي ضخم. كان هناك عدد محدود من الأماكن التي يمكن أن يختبئ بها الفيل، لكنهم لم ينجحوا في العثور عليه رغم ذلك. ظهر رئيس الشرطة على الشاشة قائلًا: «نحن نعتزم مواصلة البحث». وختم المذيع التقرير بقوله: «من حرر الفيل، وكيف؟ أين خبأوه؟ وماهي دوافعهم؟ لايزال كل شيء محاطًا بالغموض».

استمر البحث لعدة أيام، لكن السلطات لم تتمكن من اكتشاف دليل واحد عن مكان الفيل. درست تقارير الصحيفة، قصصتهم جميعًا، ولصقتهم في دفتر القصاصات، بما في ذلك الكاريكاتير الصحفي المتعلق بالموضوع. امتلأ الألبوم سريعًا، واضطررت إلى شراء آخر. لم تحتوي القصاصات على حقيقة واحدة من النوع الذي كنت أبحث عنه، رغم حجمها الهائل. كانت التقارير إما عديمة الجدوى أو خاطئة: لايزال الفيل مفقودًا، وجوم تام يسيطر على مقر البحث، عصابة وراء الإختفاء؟ وحتى مقالات مثل هذه صارت شحيحة بشكلٍ ملحوظ بعد مرور أسبوع، حتى لم يعد هناك شيء فعليًا. نشرت بعض المجلات الأسبوعية قصصًا مثيرة -حتى أن إحداها استأجرت خبير روحاني- لكنهم لم يملكوا أي دليل لإثبات عناوينهم المثيرة. بدا أن الناس بدأوا في إدراج قضية الفيل ضمن الفئة الكبيرة من ”الأسرار مستعصية الحل“. لم يمثل اختفاء فيل عجوز وحارس عجوز أي تأثير على مسار المجتمع. ستتابع الأرض دورتها الرتيبة، سيستمر السياسيين في إصدار إعلاناتهم التي لايعوّل عليها، سيواصل الناس التثاؤب في طريقهم إلى العمل، وسيظل الأطفال يدرسون من أجل امتحانات دخولهم إلى الكلية. وسط الفوران الذي لانهاية له وتدهور الحياة اليومية، لايمكن أن يدوم الإهتمام بفيل مفقود إلى الأبد. وهكذا، مر عدد غير ملحوظ من الشهور، كعرض عسكري لجيش مُتعَب أمام نافذة.

كنت أذهب لزيارة البيت الذي كان يأوي الفيل، كلما حظيت بوقت فراغ. أحاطت سلسلة سميكة بقضبان بوابة الفناء الحديدية، لإبقاء الناس بالخارج. أمعن النظر بالداخل، فأرى أن باب بيت الفيل أحيط هو الآخر بسلسلة حديدية وأُغلَق، كما لو أن الشرطة تحاول التعويض عن فشلها في إيجاد الفيل عن طريق مضاعفة طبقات الأمن على بيت الفيل الذي صار خاويًا. كانت المنطقة مهجورة، واستُبدِلَت الحشود السابقة بالحمام المنتشر فوق السور. لم يعد أحد يعتني بالحديقة، وانتشر عُشب صيفي أخضر غزير كما لو كان يتحين هذه الفرصة. ذكرتني السلسلة الملفوفة حول باب بيت الفيل بثعبان ضخم يحرس قصر مهدّم في غابة كثيفة. بضعة أشهر قليلة دون وجود الفيل منحت المكان رائحة الفناء والخراب الذي عَلِق هناك مثل سحابة مطر كثيفة غاشمة.
***
قابلتها قرب نهاية سبتمبر. كانت الأمطار تهطل ذلك اليوم من الصباح وحتى المساء— نوعية المطر الضبابية، الرتيبة، الناعمة، التي غالبًا ماتهطل في ذلك الوقت من السنة، لتجرف شيئًا فشيئًا ذكريات صيفٍ أحرق الأرض. وعبر المزاريب، تصبّ كل تلك الذكريات في المجاري والأنهار، لتُنقَل إلى المحيط المُظلِم، العميق.

لاحظنا بعضنا في حفلة أقامتها شركتي لتدشين حملتها الإعلانية الجديدة. أعمل في قسم العلاقات العامة في الشركة المُصنِّعة الرئيسية للأجهزة الكهربية، وفي الوقت ذاته كنت مسؤولًا عن الدعاية لخط تنظيم معدات المطبخ، التي كان من المقرر أن تُطلَق في الأسواق في وقت مواسم حفلات الزفاف الخريفية ومنحة الشتاء. كان عملي يتمثل في التفاوض مع عدد من المجلات النسائية لكتابة مقالات دعائية، ولا أعني هذا النوع من الدعاية التي تتطلب قدرًا كبيرًا من الذكاء، لكن كان علي التأكُّد من أن المقالات التي كتبنها لن تفسد الحملة الدعائية. عندما تمنحنا المجلات الدعاية، نكافئهم عن طريق نشر إعلانات في صفحاتهم. هكذا يجري العمل، يخدموننا، ونخدمهم.

أتت إلى الحفل لجمع بيانات لكتابة إحدى تلك ”المقالات“، باعتبارها محررة في مجلة لربات البيوت الشابات. وحدث أن كنت مسؤولًا عن اصطحابها في جولة، مشيرًا إلى مزايا الثلاجات الملونة وماكينات إعداد القهوة وأفران الميكروويف والعصّارات التي صممها لنا مصمم إيطالي شهير.

قلتُ موضِّحًا: «إن أكثر مايهم هو التناغم. حتى أجمل العناصر تصميمًا تموت لولم تكن متوازنة مع مايحيط بها. تناغم التصميم، وتناغم اللون، وتناغم الآداء: هذا مايحتاجه مطبخ اليوم أكثر من أي شيءٍ آخر. الأبحاث تخبرنا أن ربة البيت تقضي أغلب يومها في المطبخ. المطبخ هو مكان عملها، ودراستها، وغرفة معيشتها.. لهذا تفعل كل مايمكنها لتجعل من المطبخ مكان يطيب لها التواجد فيه. الأمر لاعلاقة له بالحجم. سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، مبدأٌ أساسيٌ واحد يحكم كل مطبخ ناجح؛ ألا وهو التناغم. هذا هو المفهوم الذي يرتكز عليه تصميم سلسلتنا الجديدة. انظري لهذا الموقد على سبيل المثال...».

أومأت ودوّنت أشياء في دفتر صغير، لكن كان واضحًا أن اهتمامها بالمعلومات كان قليلًا، ولم يكن لديّ اهتمامٌ خاص بموقدنا الجديد كذلك. كلانا كان يمارس وظيفته.

قالت عندما انتهيت: «أنت تعرف الكثير عن المطابخ». ونطقت ”مطابخ“ باليابانية، وليس بالإنجليزية كما كنت أفعل.

أجبت بابتسامة مهنيّة: «هذا ما أفعل لكسب لقمة العيش، كما أنني أحب الطهو. لست محترفًا، لكني أعد الطعام لنفسي كل يوم».

قالت: «لكني أتساءل مع ذلك، لو كان التناغم هو كل مايلزم المطبخ».

نصحتها: «نحن ننطق ”مطبخ“ بالإنجليزية. ليس أمرًا هامًا، لكن الشركة تريدنا أن نستخدم الإنجليزية».

فقالت: «معذرًة. لكني لازلت أتساءل: هل التناغم مهم جدًا بالنسبة للمطبخ؟ ما رأيك؟».

قلت بابتسامة: «رأيي الشخصي؟ أنا لا أصرِّح به سوى خارج أوقات العمل الرسمية، لكني سأقوم باستثناء اليوم. المطبخ ربما يحتاج إلى بضعة أشياء أكثر من حاجته للتناغم، لكن تلك العناصر الأخرى أشياء لايمكنكِ بيعها، وفي عالمنا البراجماتي هذا، لايُعوّل كثيرًا على الأشياء التي لايمكن بيعها».

- «أترى أن العالم مكان براجماتي؟».

أخرجت سيجارة وأشعلتها بقداحتي، وقلت: «أنا لا أعرف، كان مجرد رأيٌ عفوي، لكنه يفسر الكثير، كما أنه يجعل العمل أسهل. يمكن أن تمارسي به الألعاب، تشكّلي تعبيرات أنيقة: ’’البراجماتية أَسَاسِيًّا‘‘، أو ’’البراجماتية في الباطِن‘‘. يمكنك تجنب جميع أنواع المشاكل المعقدة، لو نظرتِ للأمور بهذه الطريقة».

- «يالها من وجهة نظر مثيرة للإهتمام!».

- «ليس حقًا، فهذا مايظنه الجميع. بالمناسبة، لدينا شامبانيا جيدة جدًا، أترغبين في القليل؟».

- «أشكرك. لامانع لدي».

تبادلنا الحديث أثناء شُرب الشامبانيا، وأدركنا أن لدينا العديد من المعارف المشتركين، ولم يكن هذا مفاجِئًا؛ نظرًا لأن مجالنا في سوق العمل ليس كبيرًا جدًا. فوق ذلك، تصادف أنها تخرجت وشقيقتي الصغرى من نفس الجامعة. ومع أشياء مشتركة كهذه، استمر حديثنا بسلاسة.

لم تكن متزوجة، وكذا كنت. كانت في السادسة والعشرين، وكنت في الواحد والثلاثون. كانت ترتدي عدسات لاصقة، وكنت أرتدي نظارات. أشادت بربطة عنقي، وأثنيت على سترتها. قارننا بين إيجار شقتينا وتذمّرنا من وظائفنا ومرتباتنا. بعبارة أخرى، كنا بدأنا نعجب ببعضنا البعض. كانت امرأة جذابة، ولم تكن لحوحة على الإطلاق. وقفت هناك أتحدث معها طوال 20 دقيقة كاملة، غير قادر على اكتشاف أي شيء سيء بها.

حينما أوشك الحفل على الإنتهاء، دعوتها للإنضمام لي في مشرب الفندق، حيث جلسنا لمتابعة حديثنا. تساقط مطر هادئ خارج نافذة المشرب البانورامية، أرسلت أضواء المدينة رسائل باهتة خلال الضباب. ساد المشرب شبه الخاوي سكون كئيب. طَلَبَتْ كوكتيل مثلج وطلبتُ سكوتش بالثلج.

خلال احتساء المشروبات، واصلنا نوعية الأحاديث التي تدور بين رجل وامرأة في حانة عندما يكونا قد تقابلا لتوهما وبدأ بينهما تبادل الإعجاب. تحدثنا عن أيام الكُلِّيَّة، وذوقينا في الموسيقى، والرياضة، وروتيننا اليومي.

ثم أخبرتها عن الفيل. كيف حدث هذا بالضبط، لا أستطيع أن أذكر. ربما كنا نتحدث عن شيء له علاقة بالحيوانات، مما خلق سياقًا ملائمًا، أو ربما كنت أبحث -دون وعي- عن مستمع جيد يمكن أن أعرض عليه وجهة نظري الفريدة في اختفاء الفيل. أو بعد كل هذا، قد يكون الخمر هو ماجعلني أتحدث.

على أي حال، لقد أدركت في اللحظة التي طرحت فيها الموضوع، أنني اخترت أحد أقل المواضيع ملائَمة لمناسبة كهذه. لا، لم يكن يجب أن أذكر الفيل أبدًا. كان الموضوع منتهيًا ومغلقًا تمامًا.

حاولت الإنتقال سريعًا إلى موضوع آخر، لكن شاء حسن الحظ أن تكون أكثر اهتمامًا من الأغلبية بقضية اختفاء الفيل، وأغرقتني بالأسئلة فور اعترافي برؤية الفيل مرات عديدة: ماذا كان نوعه، وكيف أعتقد أنه هرب، وماذا كان يأكل، ألم يكن خطرًا على المجتمع، وهكذا دواليك.

لم أخبرها أكثر مما يعرفه الجميع من الأخبار، لكن يبدو أنها شعرت بارتباك في نبرة صوتي. لم أكن جيدًا في الكذب قط.

ارتشفَتْ شرابها الثاني كأنها لم تلاحظ بسلوكي أي شيء غريب، وسألتني: «ألم تُصدَم عندما اختفى الفيل؟ ليست هذه نوعية الأشياء التي يمكن أن يتوقعها أي شخص».

قلت: «لا، ليس على الأرجح». أخذت قطعة مقرمشات من الطبق الزجاجي فوق طاولتنا، قسمتها إلى نصفين، أكلت إحداهما. استبدل النادل منفضة سجائرنا بأخرى نظيفة.

نظرت لي بترقب. أخرجت سيجارة أخرى وأشعلتها. كنت قد أقلعت عن التدخين قبل 3 سنوات، لكني عدت مرًة أخرى عندما اختفى الفيل.

قالت: «لِمَ ’’ليس على الأرجح‘‘؟ تعني أنه كان باستطاعتك توقع الأمر؟».

قلت بابتسامة: «لا، لم أستطع توقع الأمر بالطبع، لاتوجد سوابق لاختفاء فيل فجأة ذات يوم، ولاحاجة لحدوث شيء من هذا القبيل. الأمر لايحمل أي معنى منطقي».

- «لكن إجابتك كانت غريبة جدًا رغم ذلك. عندما قلت لك أن هذه ’’ليست نوعية الأشياء التي يمكن أن يتوقعها أي شخص‘‘، أجبت بـ’’لا، ليس على الأرجح‘‘، بينما كان سيجيب معظم الناس بـ’’أنتِ على حق‘‘، أو ’’أجل، هذا غريب‘‘ أو شيء من هذا القبيل. أتفهم ما أعني؟».

أرسلتُ إيماءة مبهمة في اتجاهها ورفعت يدي استدعاءًا للنادل. سيطر نوع من الصمت المؤقت أثناء انتظاري ليجلب لي المزيد من السكوتش.

قالت بهدوء: «أجد هذا عثيرٌ على الفهم بعض الشيء، كنت تجري معي حوارًا طبيعيًا قبل دقائق، على الأقل حتى طرحت موضوع الفيل، ثم حدث شيء غريب. لم يعد بإمكاني فهمك. هناك شيء خاطئ. أهو الفيل؟ أم أن أذنيّ تخدعاني؟».

قلت: «لاتوجد مشكلة في أذنيكِ».

فقالت: «إذًا المشكلة بك أنت».

وضعت إصبعي في كأسي وحركت الثلج. أحب صوت الثلج في كأس الويسكي.

- «لم أكن لأدعوها مشكلة بالضبط، فالأمر أبسط من ذلك، ولا أحاول إخفاء أي شيء. أنا فقط لست واثقًا أنني أستطيع التحدث عن الأمر بشكلٍ جيد، فأحاول ألا أقول أي شيء على الإطلاق، لكنكِ على حق؛ الأمر غريب جدًا».

- «ماذا تعني؟».

لم يعد هناك مفر؛ يجب أن أحكي لها القصة. أخذت جرعة ويسكي وبدأت.

- «الأمر هو أنني قد أكون آخر من رأى الفيل قبل اختفائه. لقد رأيته بعد السابعة من مساء يوم السابع عشر من مايو، وقد لاحظوا اختفائه بعد ظهر الثامن عشر. لم يره أحد فيما بينهما لأنهم يغلقون بيت الفيل في السادسة».

- «لم أفهم الأمر. لو كانوا يغلقون البيت في السادسة، فكيف رأيته بعد السابعة؟».

- «هناك مايشبه المنحدر خلف بيت الفيل. تلة شديدة الإنحدار في ملكية خاصة، بلا طرق حقيقية. هناك بقعة واحدة، فوق التلة، حيث يمكنكِ النظر داخل بيت الفيل. ربما أنا الوحيد الذي يعلم بها».

لقد وجدت البقعة بمحض الصدفة. كنت أتنزه في المنطقة بعد ظهر يوم أحد، وحدث أن ضللت طريقي وانتهى بي الأمر فوق قمة المنحدر. وجدت رُقعة صغيرة مسطحة، تكفي لاحتواء شخص واحد فحسب، وعندما نظرت عبر الشجيرات، رأيت سقف بيت الفيل. أسفل حافة السقف كانت هناك ثغرة كبيرة نسبيًا، حظيت خلالها برؤية واضحة لبيت الفيل من الداخل.

جعلتها عادة بعد ذلك. كنت أذهب لزيارة المكان من حينٍ إلى آخر لمشاهدة الفيل حين يكون داخل البيت. لو حدث وسألني أي شخص: لماذا أتكلف عناء فعل شيء كهذا، لن يجد لدي إجابة لائقة. ببساطة أستمتع بمشاهدة الفيل خلال وقته الخاص. هذا كل مافي الأمر. لا أستطيع رؤية الفيل حين يُظلِم البيت بالداخل طبعًا، لكن في الساعات الأولى من المساء يترك الحارس الأضواء خلال الوقت الذي يعتني فيه بالفيل، مما أتاح لي دراسة المشهد بالتفصيل.

ما أدهشني على الفور حين رأيت الفيل وحارسه وحدهما، كان الإعجاب الواضح الذي يكناه لبعضهما البعض، وهو مالم يفصحا عنه أبدًا أثناء وجودهما بالخارج أمام الجمهور. كانت عاطفتهما واضحة في كل إيماءة. ويبدو أنهما كانا يختزنا مشاعرهما أثناء النهار، ويحرصا على ألا يدعا أي شخص يلاحظها، ويعبرا عنها في الليل حين يصيرا وحدهما. هذا لايعني أنه كان يبدر منهما أي شيء مختلف حين يكونا وحدهما بالداخل. كان الفيل يقف شاردًا كالعادة، بينما يقوم الحارس بآداء المهام التي يتوقع منه المرء آداءها باعتباره حارسًا: فرك جسد الفيل بفرشاة خَشِنة، والتقاط فضلات الفيل الهائلة، وتنظيف المكان بعدما يأكل الفيل. لكن لم يكن هناك مجال لعدم ملاحظة الدفء الإستثنائي وشعور الثقة فيما بينهما. كان الفيل يربت ظهر الحارس بخرطومه أثناء كنسه الأرضية، وكنت أحب رؤيته وهو يفعل هذا.

سألتني: «أكنت دائمًا مولعًا بالفيلة؟ أعني، ليس هذا الفيل بعينه فحسب؟».

قلت: «إذا أمعنّا التفكير في الأمر، سنجد أنني أحب الفيلة. هناك شيء يثيرني بشأنهم. أعتقد أنني دائمًا ما أحببتهم، ولا أعرف لذلك سببًا».

«أفترض أنك كنت فوق التلة في ذلك اليوم أيضًا، بعد مغيب الشمس، تراقب الفيل. في شهر مايو.. أي يومٍ كان؟».

«السابع عشر. السابعة من مساء يوم 17 من مايو. كانت الأيام طويلة جدًا في ذلك الوقت، وقد توهجت السماء بالحُمرة، لكن الأنوار كانت مُضاءة في بيت الفيل».

- «وهل لاحظت بالفيل أو الحارس أي شيء غريب؟».

- «حسنًا، لاحظت ولم ألحظ. لا أستطيع التحديد. ليس كما لو كانا يقفا أمامي مباشرًة. ربما لست أكثر شاهِد جدير بالثقة».

- «ماذا حدث بالضبط؟».

شربت جرعة من السكوتش الذي ذاب فيه الثلج وصار سكوتش بالماء الآن. استمرت الأمطار بالهطول خارج النوافذ، نفس الغزارة السابقة، عنصر ثابت في المناظر الطبيعية لن يتغير أبدًا.

- «لم يحدث شيء، حقًا. كان الفيل والحارس يفعلا ما اعتادا فعله دائمًا: التنظيف، والأكل، واللعب معًا بطريقتهم الودودة. ليس الأمر أن أفعالهما كانت غريبة، لكنها الطريقة التي بديا عليها. شيء متعلق بالتوازن فيما بينهما».

- «التوازن؟».

«في حجم جسديهما. بدا أن التوازن قد تغير نوعًا ما. انتابني الشعور بأن التبايُن بينهما قد تقلّص إلى حدٍ ما».

ظلّت تحدِّق في كأس الكوكتيل لفترة. أمكنني رؤية أن مكعبات الثلج قد ذابت وأن المياه شقّت طريقها خلال الكوكتيل مثل محيط صغير متدفِّق.

- «بمعنى أن الفيل قد صار أصغر حجمًا؟».

- «أو أن الحارس قد صار أكبر، أو كلاهما معًا».

- «ولم تخبر الشرطة بهذا؟».

قلت: «بالطبع لا. أنا متأكد أنهم لم يكونوا سيصدقوني، ولو كنت أخبرتهم أني كنت أشاهد الفيل من المنحدر في وقتٍ مثل هذا، كان سينتهي بي الأمر كالمشتبه الأول لديهم».

- «لكن هل أنت متأكد أن التوازن بينهما قد تغير؟».

- «على الأرجح. هذا كل ما أستطيع قوله. أنا لا أملك أي دليل، وكنت أشاهدهما من خلال فتحة التهوية كما أردد. لكني شاهدتهما من قبل مرّاتٍ عِدّة، لذا يصعب علي تصديق أنني قد أخطئ في تمييز شيء أساسي مثل العلاقة بين حجميهما».

في الواقع، كنت أتساءل وقتها إن كانت عيناي تخدعاني، وقد حاولت غلقهما وفتحهما وهز رأسي، لكن حجم الفيل ظل على حاله. لقد بدا كأنه تقلّص بالتأكيد؛ لدرجة أنني ظننت في البداية أن المدينة ربما اقتنت فيل جديد، أصغر. لكنني لم أسمع أي شيء عن هذا الأمر، ولم أكن لأفوِّت أي تقارير إخبارية تخص الفيلة. كان الإستنتاج الوحيد الممكن -لولم يكن هذا فيل جديد- أن الفيل القديم قد تقلّص لسبب أو لآخر. أثناء مشاهدتي، أصبح واضحًا بالنسبة لي أن هذا الفيل الأصغر لديه نفس حركات الفيل القديم. كان يدق الأرض بقدمه اليمنى بسعادة أثناء غسلها، وكان يربت ظهر الحارس بخرطومه الذي صار أنحل نوعًا.

كان مشهد غامض. أثناء النظر عبر فتحة التهوية، انتابني شعورٌ بأن نوع مختلف ومخيف من الزمن والمكان كان يتدفق عبر بيت الفيل. كما بدا لي أن الفيل والحارس استسلما بكل سرور لذلك النظام الجديد الذي كان يحاول الإستحواذ عليهما— أو الذي قد نجح جزئيًا في الإستحواذ عليهما.

عُمُومًا، ربما أكون قد راقبت المشهد في بيت الفيل لأقل من نصف ساعة. أُغلَقَت الأضواء في السابعة والنصف -مبكرًا عن المعتاد- وأحيط كل شيء بالظلام عند تلك النقطة. انتظرت في مكاني على أمل أن يعود الضوء مرًة أخرى، لكنه لم يعد قط.

كانت هذه آخر مرة رأيت فيها الفيل.

«أتعتقد إذًا أن الفيل ظل يتقلّص حتى أصبح صغيرًا بما يكفي للهرب من خلال القضبان، أو أنه تلاشى ببساطة في العدم. أهذا ماحدث؟».

قلت: «أنا لا أعرف. كل ما أحاول فعله هو استرجاع ذكرى ما رأيت بأم عيني، بأقصى قدر ممكن من الدقة. نادرًا ما أفكر فيما حدث بعد ذلك. الصورة البصرية التي لدي قوية للغاية، لدرجة أنه يستحيل عليّ عمليًا الذهاب لأبعد من ذلك».

كان هذا كل مايمكن أن أقوله عن اختفاء الفيل. ومثلما كنت أخشى، كانت قصة الفيل شديدة الخصوصية، ومكتملة جدًا في حد ذاتها، بحيث لا تصلح كموضوع حديث بين رجل وامرأة التقيا لتوهما. حل بنا الصمت بعدما انتهيت من سرد حكايتي. ماهو الموضوع الذي يمكن أن يفتحه أيًا منا بعد قصة عن فيل مختفي— قصة لم تترك ذيولًا تقريبًا لمزيد من المناقشة؟ أدارت أصبعها حول كأس الكوكتيل، وجلست أنا أعيد وأزيد في قراءة الكلمات التي طُبِعَت على قاعدة كأس السكوتش. لم يكن يجب أن أخبرها عن الفيل. لم تكن من نوعية القصص التي يمكن أن تحكيها بحرية لأي شخص.

تحدثَتْ بعد صمتٍ طويل: «اختفت قطتنا عندما كنت فتاة صغيرة، لكن هناك فرق بين اختفاء قط واختفاء فيل رغم ذلك».

«أجل، لا توجد مقارنة بالتأكيد، نظرًا لفرق الحجم».

بعد ثلاثين دقيقة، كنا نودع بعضنا خارج الفندق. تذكرَتْ فجأة أنها تركت مظلّتها داخل المشرب، فركبت المِصعد وجلبتها لها. كانت مظلة ذات لون أحمر طوبي بمِقبض كبير.

قالت: «شكرًا».

قلت: «طابت ليلتكِ».

تلك كانت آخر مرة رأيتها فيها. تحدثنا مرة على الهاتف بعد ذلك، عن بعض تفاصيل مقالها الدعائي. فكرت في دعوتها لتناول العشاء بينما نتحدث، لكني لم أقم بذلك. لم يبدو الأمر هامًا بطريقة أو بأخرى.

انتابني هذا الشعور كثيرًا بعد تجربتي مع الفيل المختفي. كنت أبدأ التفكير في رغبتي بالقيام بشيء، ثم أصبح عاجزًا عن تبيُّن النتائج المحتملة لفعل الشيء وعدم فعله. غالبًا ماكان ينتابني الشعور بأن الأشياء من حولي قد فقدت توازنها السليم، رغم أنه يمكن أن تصوراتي تخدعني. انهار نوع من التوازن بداخلي منذ قضية الفيل، وربما يسبب ذلك ظواهر خارجية، تصيب عيني بطريقة غريبة. ربما أنا السبب.

استمررت في بيع الثلاجات وأفران تحميص التوست وآلات إعداد القهوة في العالم البراجماتي، استنادًا إلى صور ضبابية لذكريات احتفظت بها من ذلك العالم. كلما حاولت أن أصبح أكثر براجماتية، كلما نجحت في البيع -حظت حملتنا بنجاح تجاوز أكثر توقعاتنا تفاؤلًا- وكلما نجحت في بيع نفسي لمزيدٍ من الناس. هذا ربما لأن الناس تبحث عن نوع من التناغم في المطابخ نعرفه جيدًا. تناغم التصميم، وتناغم اللون، وتناغم الآداء.

لم تعد الصحف تنشر أي شيء تقريبًا عن الفيل. يبدو أن الناس نست أن مدينتهم امتلكت فيل ذات يوم. العشب الذي استولى على سياج الفيل قد ذبُل الآن، والمنطقة تبعث في النفس إحساس الشتاء.

اختفى الفيل وحارسه تمامًا، ولن يعودا أبدًا.
» تابع القراءة

| 6 التعليقات ]

في السطور التالية تقرأون تاريخ المسلسل، ولمن أراد تحميل الترجمة مباشرًة، فعليه بالذهاب إلى آخر الصفحة.

حكايات من القبو Tales From The Crypt

من القصص المصورة إلى التلفزيون

tales from the crypt from comic books to television

في البداية:

حكايات من القبو أو "tales from the crypt" هي سلسلة قصص مصورة كانت تصدر عن دار EC Comics في الفترة مابين 1950-1955 وصدر منها 43 عدد قبل أن تصطدم بالمجتمع الأسري والسياسة وقتها ويتم إيقاف نشرها. تناولت السلسلة قصص رعب منفصلة، ذات محتوى جنسي ودموي، لايربط بينها سوى مقدمها، حارس القبو أو "The crypt keeper" وهو عبارة عن هيكل عظمي حي، يقوم بتقديم القصة ويظهر في النهاية ليعلق على أحداثها، ويتسم حارس القبو بخفة الدم وحبه للتلاعب بالكلمات العادية لتصبح كلمات مخيفة. تغير اسم السلسلة أكثر من مرة قبل أن يصبح "حكايات من القبو" هو الاسم الدائم والأشهر، وكان هناك مقدمين آخرين غير "حارس القبو"، لكنه يظل الأشهر كذلك. أُنتِج بعد ذلك عِدّة أفلام بنفس الأسم وظهر "حارس القبو" في بداياتها كما في القصص، ثم أنتجت قناة HBO الشهيرة مسلسلًا بنفس الأسم في الفترة مابين 1989-1996 وحظى بشهرة كبيرة.

تاريخ النشر:

أحد أعداد حكايات من القبو
بعد الحرب العالمية الثانية بدأ ميل عند الشباب نحو القصص ذات المحتوى الجنسي والعنيف، ربما للصدمة التي خلفتها الحرب في نفوسهم، وفي عام 1950 اكتشف الناشر (ويليام جينس) الأمر، وكان قد ورث لتوه شركة EC عن والده، كانت الشركة غارقة في الديون، بسبب قلة شعبية القصص المصورة وقتها، لكن قرار (ويليام) بتغيير الشركة لمسارها وإصدارها قصص عن الحرب والرعب والخيال العلمي أدى لإنعاش الشركة، انجذب الشباب لقصص الرعب المصورة وصارت لاه شعبية كبيرة، وأصبحت EC أنجح شركة قصص مصورة في وقتها. تغير عنوان السلسلة أكثر من مرة لأسباب تسويقية، كانت البداية مع سلسلة Crime Patrol التي كانت متخصصة في الجريمة والعنف، وفي العدد 15، و16 قدمت فصلًا جديدًا بعنوان The Crypt of Terror ونظرًا للنجاح الذي لاقته تم تغيير اسم المجلة من العدد 17 لذات الأسم "The Crypt of Terror" وأتى الأسم النهائي "Tales From The Crypt" من العدد 20 وحتى النهاية. كان هناك قسمان آخران في المجلة: قسم The Vault of Horror، وكان يقدمه شخصية حارس المقابر أو "Vault-Keeper" وقسم The Haunt of Fear وكان يقدمة شخصية الساحرة العجوز أو "the Old Witch" لكن "حارس القبو" كان الأكثر ظهورًا وشهرة كماقلت.

النهاية:

كان الرعب يمر بفترة حرجة في ذلك الوقت عمومًا، فمن ناحية، بدا أن صنف "الخيال العلمي" سوف يقضي عليه، سواء في السينما أو التلفزيون أو الكتب، ومن ناحية أخرى كان يواجه هجوم شرس من الآباء والأمهات ورجال الدين والمدارس بحجة أنه يفسد أخلاق الشباب وينشر العنف بينهم، وكانت سلسلتنا هذه تواجه هجومًا من ذلك النوع، وكانت بداية النهاية مع العدد رقم 19 من السلسلة "شبح الرعب"، حيث دارت أحداثه حول مقتل أحد لاعبي البيسبول، واكتشاف زملائه لهوية قاتله، وبدلًا من أن يسلموه للعدالة، اختاروا القصاص منه بأيديهم، فقتلوه ومثلوا بجثته واستخدموا أشلائه للعب البيسبول. قد تبدو القصة بالنسبة لمقاييس الرعب الحالية شيء عادي، وقد يعتبرها البعض سخيفة أو مملة، لكن علينا أن نعي جيدًا أن المجتمع وقتها لم يكن معتادًا على أشياء مثل هذه، كان بريئًا ومحافِظًا، وكان من الممكن أن نرى مظاهرة للأمهات أمام إحدى دور العرض، اعتراضًا على عرض أحد أفلام الرعب؛ لأنه يتسم بدموية زائدة مثلًا، أو لأنه خطر على نفسية الأطفال، وهو ماكان يحدث بالفعل. 
جانب من قصة شبح الرعب

وبالعودة لقصة "شبح الرعب" وماخلفته من آثار، فقد ذكرها واحد من أشهر علماء طب نفس الأطفال -الألماني فريدريك ويرثام- في كتابة "إغواء الأبرياء"، حيث تناول صناعة القصص المصورة بالسلب وكيف أنها تفسد أخلاق الأطفال، وأن الطفل يحاول تقليد تلك الجرائم التي ترتكب في القصص المصورة. لم يتوقف (ويرثام) عند "حكايات من القبو" بالطبع، بل تطرق أيضًا لـ"بات مان" وانتقد الإيحاءات الجنسية المثلية التي كانت تحتويها أعداد بات مان قديمًا في بعض الأحيان. كان لهذا الكتاب أثر كبير على المجتمع الأمريكي وقتها، حتى أن البعض دعا للتخلص من هذه الكتب، وتجمع البعض في الساحات لإحراقها؛ أي أن الأمر كان أشبه بـ"العصور الوسطى" للقصة المصورة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تمت محاكمة (ويليام جينس)، وكان أول ناشر يخضع للرقابة من اللجنة التي تم أقيمت للرقابة على القصص المصورة، وتم سن قانون للقصص المصورة لضبط وتحديد معايير معينة فُرِضَت على صُنّاع القصة المصورة وقتها. تمسك (ويليام) بمبادئه وحارب هذا القانون قد استطاعته، لكنه خضع له في النهاية. وأتت نهاية شركة EC Comics بعدد آخر، وقد اضطر (ويليام) لعرضه على اللجنة لإجازته.
نهاية عدد "يوم الحساب" ونهاية شركة EC Comics معه


كانت قصة العدد (وكان يحمل عنوان "يوم الحساب" لسخرية القدر) تدور حول رائد فضاء حط على أحد الكواكب في مهمة استكشافية، لم يخلع رائد الفضاء خوذته طيلة القصة، لكنه عندما خلعها في الخاتمة، ظهر أنه رائد فضاء أسود البشرة، وكانت العنصرية لاتزال قائمة في أمريكا، فرفضت اللجنة إجازة العدد، رغم أن وجود رجل أسود البشرة في قصة لايخالف القانون. نشر (ويليام) العدد دون تصريح من اللجنة، وكان آخر ما أصدرته EC في عام 1956، عدا مجلة MAD الكوميدية التي لازالت تصدر حتى يومنا هذا.

السينما والتلفزيون:

بعض بوسترات الأفلام

  • في عام 1972 أنتجت شركة أميكوس البريطانية فيلم بعنوان Tales From The Crypt وكان يحتوي على 5 قصص مقتبسة من أعداد السلسلة القديمة، وفي عام 1973 أنتجت نفس الشركة فيلم آخر بعنوان The Vault of Horror ولاقي الفيلمان نجاحًا جيدًا.
  • في عام 1989 أنتجت قناة HBO مسلسلًا بعنوان Tales From The Crypt وكان عبارة عن حلقات رعب قصيرة منفصلة، تستند على أعداد السلسلة، مع وجود "حارس القبو" لتقديم وختام الحلقات. استمر المسلسل حتى عام 1996 بإجمالي 93 حلقة عُرِضَت في سبع مواسم.
  • في عام 1993 تم إنتاج مسلسل كارتون للأطفال بعنوان Tales from the Cryptkeeper لكن المسلسل لم يكن يحتوي على العنف والإباحية التي احتوى عليهما المسلسل الأصلي، إلى جانب أنه لم يقتبس أيًا من قصص المسلسل أو القصص المصورة، كانت قصصه أصيلة تمامًا. لكنه تشارك مع مسلسل HBO في (جون سيزر) مؤدي صوت "حارس القبو".
  • في عام 1995، و1996 أنتجت استوديوهات يونيفرسال فيلمين هما: Demon Knight، وBordello of Blood تستند أحداثهما على المسلسل التلفزيوني، لكنهما احتويا على قصتين طويلتين، بدلًا من عدة قصص كما في أفلام أميكوس، مع وجود "حارس القبو" الشهير.
  • في عام 2002 صدر فيلم بعنوان Ritual لكن لم يكن له أية علاقة بـ"حكايات من القبو"، وتم إنتاجه في الأساس ليُعرَض في الدول الأجنبية (غير الأمريكية)، لكنه لاقى فشلًا كبيرًا. في عام 2006 أعيد إطلاق الفيلم على اسطوانات DVD لكن مع تضمين "حارس القبو" كمُقدَّم للأحداث سعيًا وراء إنجاح الفيلم تجاريًا.
  • في عام 2016 أعلن المخرج الشهير إم.نايت. شيامالان أنه يسعى لإحياء السلسلة التلفزيونية القديمة، لصالح شبكة TNT ولاتوجد أي تفاصيل أخرى حتى الآن.

مسلسل حكايات من القبو:

!Hello, Kiddies

شبكة قنوات HBO المعروفة حاليًا بإنتاجها للمسلسل الشهير "Game Of Thrones" قامت بإنتاج مسلسل مقتبس من سلسلة القصص المصورة "Tales From The Crypt" في عام 1989 وحتى عام 1996، يتكون المسلسل من 7 مواسم، بإجمالي 93 حلقة. ولأن HBO قنوات مدفوعة الأجر، كان مسموحًا لها بتضمين محتوى عنيف ودموي وجنسي وألفاظ بذيئة في المسلسل، وهو مالم يكن شائعًا في هذا الوقت المبكر.

أما عن الحلقات فكانت تتراوح مدتها من 22 إلى 29 دقيقة، تبدأ كل حلقة بموسيقى التتر الشهيرة، وتدخل الكاميرا بيت مهجور جدير بأجواء الرعب، تتحرك في أرجاءه إلى أن تصل إلى القبو المنشود، حيث نرى في النهاية "حارس القبو" يرحب بنا، ويقدم لنا قصة الحلقة. وحارس القبو هذا عبارة عن جثة متحللة حية، بخلاف الحارس الأصلي في القصص المصورة، حيث كان إنسان حي. يقوم بآداء صوت "حارس القبو" المؤدي الصوتي (جون سيزر). يطلق حارس القبو الدعابات ويتلاعب بالكلمات في قبوه العامر بمظاهر الرعب حتى تبدأ الحلقة.

محتوى الحلقات نفسها يدور حول "الجزاء من جنس العمل" أغلب الوقت، بمعنى أن الشرير سيُعاقَب بنفس أساليبه في النهاية، فلو أنك كنت تهوى قتل القطط على سبيل التسلية مثلًا، ستعود القطط من موتها في النهاية لتقضي عليك، وهكذا...

استضاف المسلسل العديد من مشاهير السينما في حلقاته، مثل: براد بيت، وديمي مور، وكيرك دوجلاس، وجو بيشي، كما أخرج (أرنولد شوارزنيجر) إحدى حلقاته، وجدير بالذِكر أن (روبرت زيمكس) مخرج "فورست جامب" هو منتِج حلقات المسلسل.

الترجمة:


الحقيقة أنني انتهيت من ترجمة الموسم الأول منذ زمن، لكني كنت كسولًا بمايكفي لكي أتأخر كثيرًا على رفعها، والحقيقة أنني استمتعت بترجمة المسلسل ومشاهدته في نفس الوقت، ومتابعة قصصه المتنوعة، سأبدأ في الموسم الثاني قريبًا، كما أعمل حاليًا على الجزء الثاني من سلسلة A History Of Horror التي تحكي تاريخ أفلام الرعب.


ترجمة حلقات الموسم الأول:



وإلى اللقاء في أعمال نادرة أخرى.
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

Heat 1995
هناك مشهد في منتصف فيلم "Heat" لمخرجه مايكل مان ينير موضوع الفيلم الحقيقي. تدور أحداث الفيلم حول تتبع التحري هانا (ألباتشينو) للص محترف يُدعى ماككولي (روبيرت دي نيرو) لعدة أيام. ماككولي لص ذكي وحذَر ويبدو أنه من المستحيل تتبعه؛ لذا، يُفاجأ ماككولي ذات ليلة بسيارة تطلب منه التوقف على جانب الطريق، ليتضح أنه التحري هانا.

ينتظر ماككولي في سيارته، متأهبًا لإطلاق النار من سلاحه لو لزم الأمر، يقترب منه هانا ويقول «ما رأيك لو دعوتك لكوب من القهوة؟» ويرد ماككولي بأن هذه الفكرة تبدو جيدة.

يجلس الرجلان قبالة بعضهما على طاولة بلاستيكية؛ متوسطي العمر، ضجرين، مع خبرة هائلة في مجاليهما، يعرف كلٍ منهما مايمثله للآخر، لكنهما يشربان القهوة في هذه الهدنة القصيرة.

ماككولي لص محترف، ماهر وموهوب. عندما يوحي كلام هانا بخلاف ذلك، يرد عليه ماككولي «أتراني أسرق متجر كحوليات مع وشم ”وُلِد ليخسر“ على صدري؟» فيؤمن الشرطي على كلامه، هو لايعتقد ذلك. قرب نهاية المحادثة يقول الشرطي «أنا لا أجيد القيام بأي شيء آخر»، فيرد اللص «وأنا كذلك.» يكثف المشهد حقيقة "الحرارة" التي تكمن في أن رجال الشرطة واللصوص بحاجة إلى بعضهم، لقد عزلتهم وظائفهم عن المجتمع، ويتم تعريفهم بما يجيدوا فعله فحسب.

إنهما عدوين، لكنهما أكثر حميمية بطريقٍة ما، بينهما أشياء مشتركة، أكثر ممن يفترض أنهم أصدقائهم -نساؤهم على سبيل المثال.

موضوع الفيلم الآخر هو "المرأة". اثنين من الشخصيات الرئيسية في "Heat" لديهم زوجات، وخلال أحداث الفيلم يقع ماككولي في الحب، الأمر الذي يتعارض مع سياسته. التحري هانا يعمل على زواجه الثالث مع امرأة تُدعى چستيس (ديانا فينورا)، لكنه زواجٌ مرير لأن وظيفته تستحوذ عليه «أنت تعيش بين رفات القتلى»، هكذا تقول له چستيس. المتزوج الآخر هو أحد شركاء ماككولي في العصابة؛ شيرليس (ڤال كيلمر) وزوجته شارلين (آشلي جود).

سياسة ماككولي الخاصة هي ألا يتورط في أي شيء لن يستطيع الفرار منه في غضون 30 ثانية، لكنه يدخل في حديث مع إيدي (أيمي برينيمان) أثناء جلوسه في مطعم، تسأله إيدي الكثير من الأسئلة، فيصدها «سيدتي، لماذا تهتمين كثيرًا بما أفعل؟»، فتجيبه «أنا وحيده»، فيرد «أنا لست وحيدًا»، والحقيقة أنه الرجل الأكثر وحده في العالم، وسرعان مايكتشف أنه بحاجة لها.

هذه تيمة الصراع القديم في أفلام الأكشن الأمريكية، بين الرجل وعمله من جهة، والمرأة المسيطرة من جهة أخرى، المرأة التي تريد ترويضه وإجباره على البقاء في البيت. تعامل الفيلم مع هذه التيمة بعمق وبصيرة قلما نراهما في هذه الأنواع، من خلال سيناريو مايكل مان. الرجال في فيلمه مهووسين بحياتهم. هناك مشهد يحصل فيه اللصوص على كل الأموال التي يحتاجونها، يمكنهم التقاعد، حتى أن ماككولي يملك مكان تقاعده في نيوزيلاندا، لكن تظهر مهمة أخرى ولايمكنهم مقاومتها. هذا مايضمن استمرارية مشاهد الحركة والإثارة بالطبع. يفتتح الفيلم هذه المشاهد بتسلسل رائع لعملية سطو على سيارة مدرعة وتبادل لإطلاق النار، ويواصل الأمر مع سرقة البنك المحكمة.

ماككولي هو العقل المدبر، بينما هانا هو الشخص المكلف بتخمين خطوته التالية.

تضع الشرطة مككولي وعصابته تحت المراقبة على مدار 24 ساعة، ويتبعونهم ذات يوم حتى منطقة مستودع معزول، حيث يقف اللصوص في وسط مساحة واسعة، ويشرح لهم مككولي مخطط ما. بعد ذلك، يقف رجال الشرطة في نفس المكان، محاولين تخمين الخطة التي كان يتناقشها اللصوص، فلا يستطيعون تبين أي شيء، لكن هانا يكتشف الأمر فجأة «أتعلمون إلى أي شيء كانوا ينظرون؟ كانوا ينظرون إلينا، نحن، شرطة لوس أنجليس.» وكان محقًا. في الوقت ذاته كان مككولي يقف فوق سطح، ينظر إليهم من خلال عدسات مكبرة.

دينيرو وألباتشينو. قام الإثنان ببطولة العديد من أفلام الجريمة العظيمة، وقضيا وقت طويل في لعب أدوار الشرطة واللصوص أكتر من الشرطة واللصوص الحقيقيين. هناك حديث دائم عن الممثلين الذين يدرسون شخصيات من الواقع لتدعيم آدائهم. لو قرر باتشينو ودينيرو دراسة شرطي ولص في هذه المرحلة من مسيرتهم الفنية، فمن المحتمل أن اختيارهم قد وقع على دراسة أفلامهما القديمة. في هذا الفيلم، نرى براعة مطلقة، وشعور فطري يشع من أدوارهما.

مايثير الإهتمام هي الكيفية التي حلل بها مان هذه الأدوار مع النساء. بطريقٍة ما، دائمًا مايقف الزوجات والعشيقات عند باب المطبخ في هذا الفيلم، ينادين الأولاد للدخول والكف عن اللعب. زوجة باتشنيو التي قامت بدورها (فينورا) بمرارة ذكية، كانت أكثرهن قسوة. إنها متزوجة من رجل يصحب معه جثث القتلى إلى الفِراش لتؤرقه في أحلامه. ابنتها سكيرة ومتمردة، ولاتحصل منه على أي نوع من الأبوه. زواجهم مزحة، وعندما يضبطها مع رجل آخر، تقول أنه أجبرها على الحط من قدر نفسها.

المرأتان الأخريان (جود وبرينيمان) افتقرتا لبعد النظر. لايزال لديهما بعض الأوهام، رغم أن برينيمان، التي لعبت دور مصممة جرافيك، تعترض كما لو كانت أي امرأة عصرية لتفعل عندما يتوقع منها هذا الرجل الغريب الكتوم أن تترك وظيفتها وحياتها وتتبعه إلى المجهول في نيوزيلاندا.

هذا ليس مجرد فيلم أكشن. الحوار -قبل كل شيء- معقد بمايكفي ليسمح للشخصيات بقول مايفكروا فيه، فجاء حوارهم بليغًا، ثاقبًا، مدهشًا، شاعريًا عندما يتطلب الأمر. أنهم ليسوا مقيدين بالكليشيهات المعتادة. أحد أسوأ القيود في عالمنا أن تكون عاجزًا عن الإفصاح، أن تكون غير قادر على أن تقول لآخر ماتشعر به حقًا. هذه الشخصيات تملك تلك القدرة. وهي قدرة عظيمة، لكنها لن تنقذهم بالطبع.

روجر إيبرت 1995
ترجمة: مصطفى اليماني

*روجر إيبرت واحد من أشهر النقاد السينمائيين، كان يكتب في صحيفة شيكاجو صن تايمز، وله العديد من المؤلفات في مجال النقد السينمائي، وكان يصدر قائمة في نهاية كل عام تحتوي على أهم عشرة أفلام للسنة من وجهة نظره. فاز روجر بجائزة بوليتزر على كتاباته النقدية، ولايزال موقعه على الإنترنت ملجأ لمحبي السينما.

توفى روجر عام 2013، تاركًا وراءه إرثًا هائلًا في مجال النقد السينمائي، وتعتبر قائمة "الأفلام العظيمة" من أهم ماقدمه.
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

فيمايلي ترجمة لمراجعة الناقد الكبير الراحل (روجر إيبرت) للحلقة الرابعة من سلسلة حرب النجوم وفيلمها الأول "A New Hope"، وهي مراجعة تمثلني بشدة؛ لأنها لمست قلب السلسلة والمشاعر التي أكنها لعالمها. لم يكتفي روجر بإعلان انبهاره بالمؤثرات البصرية التي أحدثت طفره في عصرها بالتأكيد، لكنه عرض بروح عاشق الأسباب التي جعلت حرب النجوم أشبه بدين يعتنقه الناس، وواحد من أهم تلك الأسباب، هي تلك الحياة الغريبة التي سمح لنا (لوكاس) بالإطلاع عليها.

حرب النجوم لايكون "حرب النجوم" بالنسبة لي، بلا مخلوقاته العجيبة، تشوي، جابا ذا هات، ماستر يودا، وكائنات الجليد والصحراء الشبيهة بالجِمال والخيول. ماجعل من هذه الكائنات فريدة لأقصى درجة؛ أنها كانت يدوية الصنع والتحريك، مماجعلها واقعية للغاية. أفلام اليوم تصنع أشياء أكثر دِقة بالطبع، لكنها تفتقد للمسة البشرية، وإحساس المتفرج أنه لو مد يده، سيستطيع أن يخترق الصورة.

بهجة غير عادية تنتابني عند رؤية تلك الكائنات تمشي في الأنحاء؛ كأنك ذهبت لحديقة حيوان حقيقية، غير أرضية. لو كتبت مراجعتي الخاصة، ستحمل روحًا كهذه.

حرب النجوم: أمل جديد (1977)
بقلم: روجر إيبرت

Star Wars: New Hope 1977

أمر أحيانًا عند مشاهدة فيلم بما أعتقد أنه تجربة الخروج من الجسد. عندما يستخدم المؤمنون بالقدرات الفائقة للحواس مصطلحًا كهذا، فهم يشيرون إلى إحساس العقل بمغادرة الجسد حرفيًا والإبحار إلى الصين أو يوريا أو إلى مجرة بعيده، بعيده، لكني عندما أستخدم هذا المصطلح، فأنا أعني ببساطة أن مخيلتي نست فعليًا أنها متواجده في دار العرض واعتقدت أنها هناك على الشاشة، وبمعنى أدق؛ فإن أحداث الفيلم تبدو حقيقية، وأبدو أنا كأني جزءًا منها.

مررت بهذا مع حرب النجوم. قائمتي لأفلام "الخروج من الجسد" الأخرى، قصيرة وغريبة، بدءًا ببراعة "Bonnie and Clyde"، أو" Cries and Whispers"، مرورًا بالنزعة التجارية البراقة لـ"Jaws"، والقوة الوحشية لـ"Taxi Driver". على مستوى ما (لا أكون واثقًا أحيانًا)، يدفعونني على الفور وبقوة لفقد قدرتي على الحكم، وتحليلي الإحتياطي. إن الفيلم يحدث، وهو يحدث لي.

مايجعل من حرب النجوم تجربة فريدة، رغم كل ماسبق؛ أنها تلعب على مستويات بريئة ومرحة غالبًا. إن العنف عادًة هو مايجذبني بشدة لأي فيلم، بدءًا من العذاب النفسي لشخصيات بيرجمان، وحتى الصرصرة الطائشة لفكي القرش. ربما الأفلام التي تخيفنا تجد أقصر الطرق لمخيلاتنا، لكن حرب النجوم تكاد تخلو من أي عنف. بدلًا من ذلك، هناك ترفيه مباشر وبسيط، تفتقده الأفلام الحديثة المعقدة.

حرب النجوم قصة خرافية، أسطورية، تجد جذورها في بعضًا من قصصنا الخيالية الأكثر شعبية. الروبوت الذهبي، رائد الفضاء ذو وجه الأسد، والكمبيوتر الصغير المضطرب الذي لابد أنه استوحى من رجل القصدير، والأسد الجبان، والفزاعة من "ساحر أوز". الرحلة من أبعد مكان في المجرة لآخر، هي واحدة ضمن العديد من أعمال أوبرا الفضاء. الأجهزة مستوحاه من "Flash Gordon" مرورًا بـ"2001: A Space Odyssey"، والفروسية من روبن هود، الأبطال من الغرب القديم والأشرار خليط من النازيين والسحرة. فجَّر حرب النجوم لُب الخيال المدفون في ذاكرتنا، ولأنه يفعل ذلك ببراعة، فإنه يعيد تنشيط الإثارة القديمة، والمخاوف، والبهجة التي ظننا أنها هجرتنا عندما قرأنا نسختنا الأخيرة من سلسلة "قصص مدهشة".

يبلي الفيلم حسنًا لعدة أسباب، ولاتدور كلها حول المؤثرات الخاصة المذهلة. التأثيرات جيده بالتأكيد، لكن أفلام مثل "Silent Running" و "Logan's Run" استخدمت مؤثرات عظيمة بالفعل ولم تخلد للأبد في تاريخ شباك التذاكر. أعتقد أن مقومات نجاح حرب النجوم تختلف عن ذلك.

يعتمد الفيلم على قوة السرد الخالص، في أبسط أشكال الحكي المعروفة للإنسان؛ الرحلة. كل الحكايات الرائعة التي نذكرها من طفولتنا تدور حول أبطال ينطلقون في رحلة عبر طرقات مليئة بالخطر، أملًا في العثور على كنز أو تحقيق بطولة عند نهاية الرحلة. في حرب النجوم يصحب جورج لوكاس هذا الإطار البسيط والقوي إلى الفضاء الخارجي، وهذا شيء يوحي بتنفيذه، لأننا لن نملك في المستقبل خرائط على الأرض تحذر: "هنا توجد تنانين". لن نستطيع تخطي حدود الخريطة، كما أمكن لكولومبوس، ولايمكن أن نأمل في إيجاد قارات جديدة لوحوش ماقبل التاريخ أو قبائل مفقودة تحكمها آلهة خالدة. ليس على الأرض على كل حال. لكن كل شيء ممكن في الفضاء، ولوكاس يحلق في الأفق ويرينا كل شيء تقريبًا. نحن نندمج مع الفيلم سريعًا، لأن شخصيات حرب النجوم مرسومة بقوة وبساطة ولديها الكثير من نقاط الضعف الصغيرة وآمال كبيرة تبدو لنا عبثية ولاتتفق مع آمالنا. بعد ذلك، يفعل لوكاس شيء مثير للإهتمام. بينما يرسل أبطاله عبر الفضاء لخوض معركة مع قوات دارث فيدر، والإمبراطور الشرير، ونجمة الموت الرهيبة.. إنه يمنحنا الكثير من المؤثرات الخاصة، هذا صحيح -السفن المارة في الفضاء المتشعب، كواكب غريبة، نجوم لانهائية- لكننا نحصل أيضًا على ثروة من المخلوقات الحية الغريبة، ويصيب لوكاس التخمينات بأنها ستُثير اهتمامنا أكثر من كل أجهزة المجرات.

أحد أروع المشاهد بالنسبة لي، كان الذي دارت أحداثه في حانه غريبة على كوكب تاتوين. يالها من تشكيلة رائعة من المشروبات الكحولية الغريبة، واللقطة الواسعة لشاربي المارتيني المصطفّين على البار، وكان لوكاس في غاية المكر، فسمح لهم بإظهار الخصائص التي اشتهرت بها البشرية، وجدت نفسي أشعر بمزيج من الإعجاب والبهجة. وضعتني حرب النجوم في حضرة ابتكار فيلم سحري، هنا، حيث يختلط كل شيء معًا، حيث الجموح والخيال، العجب البسيط والحكي المتطور بهدوء.

وضع ستانلي كوبريك كل ماكان لديه من تأثيرات خاصة لتصوير الفضاء الخارجي، عندما كان يصور "2001" في أواخر الستينات، لكنه قرر أخيرًا عدم إظهار أي كائنات فضائية على الإطلاق؛ لأن تصميمها كان مستحيل كما ظن، لكن التصميم لم يكن مستحيلًا أبدًا. كما أوضح حرب النجوم، وبهجة الفيلم في إمكانيات الحياة الغريبة التي كانت ممتعة بقدر الصراعات بين مركبات الإمبراطورية والمتمردين.

وربما هذا يساعد على تفسير نقطة ضعف الفيلم الوحيدة، ألا وهي استغراق الهجوم النهائي على نجمة الموت وقتًا أطول من اللازم. ربما لم يتحمل لوكاس فكرة الإقتطاع من فيلمه، بعدما استثمر الكثير من المال والعرق في المؤثرات الخاصة. لكن سحر حرب النجوم يكون دراميًا فقط مع المؤثرات الخاصة؛ قلب الفيلم بين الدفئ البشري (وغير البشري) لشخصياته.


روجر إيبرت
ترجمة: مصطفى اليماني
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]


أصبحت تقنية الـCGI واقعًا في الأفلام الحالية، وصار أمرًا مسلمًا به أن كل مشاهد الإنفجارات الهائلة، والمعارك الطاحنة، وعوالم مابعد الفناء، تم تصميمها بواسطة الكمبيوتر. تلك التقنية صارت موضع اتهام حاليًا بالطبع، بعد الإفراط في استخدامها في الكثير من الأفلام، لدرجة أننا أصبحنا نرى أفلام كاملة من الـCGI، إلا أن الأمر يكون منطقيًا ومقبولًا، عندما يكون الأمر مجرد مشاهد قليلة عابرة، فمن المجنون الذي قد يفكر في بناء ديكورات حقيقية، بكل ماتستغرقة من وقت وجهد وتكاليف، من أجل التقاط مشهد واحد فقط؟!

وبينما يكتفي العديد من المخرجين بتصوير مشاهدهم باستخدام الـCGI، هناك من تتطلب رؤيتهم الواقعية والأصالة. يمكن أن تخدم الـCGI المشهد لو استُخدِمت بحكمة، لكن يفضل أحيانًا أن تفعل الأمور بالطريقة القديمة. لاشك أن تلك التقنية تتيح إمكانيات مطلقة، لكنها تحتاج أسسًا قوية ليقبلها المشاهد.

بذل الكثير من المخرجين كل مافي وسعهم لضمان هذه الأسس. بعد قراءة هذه القائمة، ربما تنظر للمؤثرات الخاصة بشكل مختلف. ربما يتضح أن هذه الإنفجارات الهائلة حقيقية، وربما تم تشييد طريق سريع خصيصًا من أجل تصوير هذه المعركة الطاحنة، وقد يتضح أن عالم مابعد الفناء ذاك ماهو إلا نموذج مصغر تم بناءه بشق الأنفس.

1. ساحة السباق الرومانية التي تطلب بناءها أكثر من عام من أجل تصوير فيلم Ben-Hur


لن تكتمل أي قائمة تتناول الديكورات العملاقة التي بنيت لالتقاط مشهد واحد فقط دون إدراج الساحة التي شيدت لسباق العربات في Ben-Hur. لايزال هذا البناء مذهلًا بكل تفاصيله، حتى بمقاييس هذه الأيام.

تكلف بناء الساحة مليون دولار بلا مبالغة، شملت 18 فدان من الأرض، وتطلبت آلاف العمال وأكثر من عام لبناءها.

حجارة الساحة اقتطعت من محجر صخور، وتم نقل أكثر من 40 ألف طن من الرمال من شاطئ البحر الأبيض المتوسط لتغطية الأرض وجعلها تبدو كالحقيقية. ليس هذا فحسب، بل تم توظيف آلاف العمال، وكان يتواجد مائة حصان تقريبًا في الساحة كل يوم.

من وقت إطلاق الفيلم عام 1959، وحتى الآن، تظل هذه الساحة أكبر بناء تم تشييده لفيلم. تثبت نظرة سريعة على المشهد أنه لايزال مبهرًا الآن كما كان في الماضي.

المشهد:
 

2. بناء طريق سريع كامل من أجل The Matrix: Reloaded


أحدى أفضل الأشياء في "The Matrix: Reloaded" هي المطاردة القتالية التي جرت على الطريق السريع قرب منتصف الفيلم. يستوحي المشهد الطاقة المحمومة للجزء الأول، بخلاف بقية الفيلم، الذي خيب أمل العديد من محبي الجزء  الأول.

المدهش أن طريق كامل طوله ميل ونصف تم بناؤه خصيصًا من أجل هذا المشهد. لو كنت تتساءل من أين قد يأتي طاقم الفيلم بهذه المساحة الواسعة، فقد شيد الطريق السريع في قاعدة بحرية خرجت من الخدمة في ألاميدا، بكاليفورنيا.

استغرق التصوير حوالي 60 يومًا في منطقة ألاميدا، منهم 48 يومًا لتصوير المطاردة على الطريق السريع.

ليس هذا فحسب، لكن السيارات كانت حقيقية أيضًا، وقد تدمرت بالفعل. أغلب السيارات تبرعت بهم شركة "جنرال موتورز"، لذا، فلايوجد شك تجاه سعيهم نحو الواقعية.

تصوير المشهد:
 

3. بناء مدينة سيدني بعد نهاية العالم من أجل نهاية Mad Max: Beyond Thunderdome


رغم أن أحداث الجزء الثالث من سلسلة ماد ماكس القديمة تدور في سيدني بعد نهاية العالم، إلا أن هذا لايغدو أكثر وضوحًا سوى خلال المشهد الأخير، حيث نرى الطيار (جيدداياه) يحلق بالأطفال نحو الساحل، ويمر خلال الرحلة عبر أنقاض سيدني بعد نهاية العالم، وواقع الدمار الذي يصبح واضحًا. إنه مشهد عابر، لكنه لافت للغاية، وتطلب بناء نموذج مصغر لمدينة سيدني.

كان النموذج المصغر مفصلًا بدقة، وقد تضمن نسخ متماثلة للبناء المعماري للمدينة، بما في ذلك دار أوبرا سيدني. تزينت الكثير من المباني بمئات من النوافذ الصغيرة، علاوة على ذلك، تلك النوافذ تم تصميمها لتبدو متصدعة، ومحطمة، ومشوهة، كما كانت هياكل المباني المرئية متهدمة ومحروقة أيضًا. وقد بنيت المدينة بأكملها فوق بروزٍ صخري. التفصيلة النهائية كانت جسر ميناء سيدني، الذي شيد ليبدو كأنه تعرض لانهيار عنيف.

المحبط في الامر أن النموذج اعتبر كبيرًا جدًا، فلم يصلح للتخزين، وتم تدميره بعد نهاية التصوير.

4. بناء قطار مزيف من أجل Inception


لن ينسى كل من رأى Inception في السينما مشهد القطار الضخم الذي اقتحم المشهد، سعيًا وراء سيارة ليوناردو ديكابريو. فاجأ القطِار الجميع، لكن المفاجئة الأكبر أن المشهد كان حقيقي بالكامل.

يعرف كل محبي كريستوفر نولان تمسكه الدائم بالمؤثرات الواقعية، وتفضيله لواقعيتها وآثارها الملموسة، بخلاف تقنية الـCGI. ومع ذلك، يمكن أن تعتقد أن قد يتنازل عن مبادئه أحيانًا، خاصًة عندما يتعلق الأمر بقطار شحن هائل يندفع على الطريق الرئيسي، محطمًا السيارات.

لكنه لم يتنازل عن مبادئه.

سعيًا لتنفيذ التأثير، أمر نولان بلحام الهيكل الخارجي لقطار شحن حول الجزء الخارجي لشاحنة نقل، فيستطيع أحدهم الدخول وقيادة الشاحنة. وماحدث في الخطوة التالية، أن تلك الشاحنة/القطار شقت طريقها عبر شارع حقيقي مغلق، محطمة سيارات حقيقية، ومسببه فوضى فعلية.

تصوير المشهد:
 

5. بناء نموذج ترفيهي مصغر لباريس من أجل فيلم Team America


سوف يتذكر كل من شاهد "Team America" الإفتتاحية الشهيرة التي تعرض الفريق وهو يدافع عن باريس من هجوم إرهابي. من أجل تصوير هذه الإفتتاحية، بُني نموذج هائل لباريس داخل مستودع ضخم في كولفير سيتي، بكاليفورنيا. يعرض المشهد تدمير برج إيفل، ومبنى قوس النصر، ومتحف اللوفر. وبصرف النظر عن المعالم الشهيرة والآثار، فهناك دقة مطلقة في التفاصيل، من مواطنين فرنسيين على المقاهي ومخابز وكل أنواع المباني. هناك أيضًا أشجار، وشجيرات، وأنواع أخرى من النباتات، فضلًا عن نافورة تضخ المياه. كل هذا كان صناعة ورسم يدويين، استغرقت أشهر لإنجازه.

ومع كل هذا، لم يدم المشهد أكثر من خمس دقائق، ولم تظهر أغلب هذه النماذج الرائعة عن قرب.

6. تفجير غابة من أجل Apocalypse Now


تعد فترة التصوير العصيبة لفيلم Apocalypse Now موثقة توثيقًا جيدًا، فهناك مثلًا بدانة مارلون براندو وسلوكه الطائش، وهناك الإعصار الذي دمر أغلب معدات التصوير، وهناك الأزمة القلبية التي أصابت مارتن شين، لكن المنتج النهائي كان مذهلًا رغم كل ذلك، وأحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الفيلم بهذه الروعة، هو الجهد الذي كان فرانسيس فورد كوبولا على استعداد لبذله، من أجل تطبيق رؤيته.

فلنأخذ افتتاحية الفيلم على سبيل المثال، حيث نرى التدمير الوحشي لإحدى الغابات الفيتنامية، والطائرات الأمريكية تمطرها بقنابل النابالم.

لاشك أنك اعتقدت أن تلك اللقطات كانت مجرد لقطات تسجيلية حقيقية لحرب فيتنام، أو لقطات لحرائق الغابات الطبيعية، لكن الحقيقة أمر مختلف تمامًا.

ماحدث أن كوبولا خطط للمشهد بنفسه وقام بتصويره بالكامل، مستعينًا بجنود حقيقيين لصب 1200 جالون من الوقود على الأشجار، وإشعالهم لافتعال انفجار ضخم.

كان كوبولا قد دمر جزء كبير من الغابة بنهاية المشهد، ولم يدم المشهد نفسه سوى دقائق معدودة، هي المدة التي استغرقها احتراق الأشجار.

المشهد:
 

7. بناء جهاز طرد مركزي عملاق من أجل 2001: A Space Odyssey


إنه واحد من المشاهد الأكثر أيقونية في فيلم تحول إلى أيقونة في حد ذاته. يصور المشهد د.فرانك بول وهو يختبر انعدام الجاذبية، بالركض حول غرفة، كما لو كان عالقًا في عجلة هامستر عملاقة، أبدية.

ماحدث في الواقع، أن ستانلي كوبريك أمر ببناء جهاز طرد مركزي عملاق. يدور الجهاز نفسه بينما تظل الكاميرا ثابتة في مكان واحد، لخلق الحركة الوهمية لانعدام الجاذبية، مما يعني أن كل مافعله الممثل جراي لوكوود (د.فرانك بول) كان الركض في بقعة واحدة.

كان كوبريك معروفًا بديكوراته الباهظة (ميزانية أوديسا الفضاء كانت حوالي 10 مليون دولار)، لكن بناء جهاز طرد مركزي كامل من أجل مشهد مدته دقيقتين يعد أمر جنوني للغاية. كانت النتيجة مذهلة مع ذلك، ولايزال المشهد مبهرًا حتى اليوم.

المشهد:
 

8. تفجير مستشفى من أجل فيلم The Dark Knight


المخرج كريستوفر نولان معروف بشغفه بمواقع التصوير والمؤثرات العملية، فمن المستحيل ألا يظهر مرتين على الأقل في هذه القائمة. لو كنت تظن أن لحام قطار حول شاحنة مثير للإعجاب، فقد شيّد نولان مايعادل مبنى كامل.

أتى نولان بعمال بناء لتشييد المستشفى حول موقف سيارات مهجور، سعيًا لدقة المشهد، حيث يفجر الجوكر مستشفى في مدينة جوثام، متنكرًا في زي الممرضة الذي أصبح يشتهر به الآن. استُخدِم مبنى موقف السيارات كأساس لبناء واجهة المستشفى، تقليلًا لكلفة المشهد (ممايدل على أن التكلفة كانت باهظة أكثر مماهي عليه) مع الحفاظ على أثره وواقعيته.

بعد بناء واجهة المستشفى، تم التلاعب بها بكمية هائلة من المتفجرات، لينهار المبنى بالترتيب الصحيح والوقت المناسب. تطلب بناء كل ذلك أسبوعين كاملين، وهي مدة معقولة، عندما تضع في الإعتبار مدى قرب هيث ليدجر وطاقم العمل من المستشفى وخطورة ذلك عليهم.

كما أنهم خططوا للقطة الطريفة عندما يبدو أن جهاز تفجير الجوكر قد تعطل، تلك التي يشار إليها عادًة باعتبارها ارتجالًا من ليدجر، لكن يبدو أنها كُتبت بالكامل.

تصوير المشهد:

مصطفى اليماني
» تابع القراءة