| 0 comments ]

 عندما أحكي قصة موت والدي، عادة ما أحكيها بالطريقة الخطأ. يسألني كثيرا من الزملاء كيف بدأت العمل في الشركة، ربما لأني واحد ممن عملوا بها طويلا فينتابهم الفضول لمعرفة كيف بدأ كل شيء، أستغل هذا السياق عادة لحكي قصة موته، يمكن أن تسير القصة بدونها بالطبع، فيمكن أن أقول:


- لقد أرسل لي هذا الصديق رابطا، ملأت بياناته، و...

لكني عادة ما أقول:

- بدأت العمل قبل مرض والدي بأربعة أيام...

تسبِّب تلك البداية اضطرابا للجميع، لأن كل واحد منهم يقول مسرعا:

- ألف سلامة.

فأكمِل بسرعة:

- هو مات!

يضطرب السامع ويطرق رأسه في أسف عادةً. يخبرني أن البقاء لله. يمكن أن أبدأ القصة بشكلٍ صحيح، مثل: لقد جئت قبل وفاة والدي واضطررت للإنقطاع إبان مرضه، لكن حاجة خفية تدفعني للسرد بشكلٍ خطِّي. حكيت تلك القصة كثيرا، حكيتها في كل مرة سمعت فيها سؤال "كيف عملت هنا؟"، لكن الحقيقة أنني في كل مرة كنت أريد حكي قصة مختلفة تماما.

هناك تلك الحاجة لأن يلقى الواحد كل ما في جيوبه قبل أن يقابل وجه كريم. لا أريد أن أموت دون أن أتخلَّص من كل شيء، إلا أن بعض الأشياء لا يسهُل التخلُّص منها، بعض الأشياء لا يجرؤ الواحد حتى على أن يقولها لنفسه، تلك الأشياء تحدث ولا تعيدها داخل رأسك ثانيةً.

ربما لهذا أحكي قصة مختلفة عمّا أريد قوله. كأني أحاول الإقتراب قدر الإمكان والبقاء بعيدا في الوقت ذاته. يعني كأنك تقف بجوار الحاتي تستنشق دخّان مشويّاته لتشبع جوعا بداخلك، ورغم ذلك، يتأجَّج في كل مرة ذلك الجوع، لا يُشبَع.

أريد أن أحكي عن الشهور الثلاثة التي سبقت موته. أريد أن أحكيها أكثر من رغبتي في حكي أي شيءٍ آخر. ربما لهذا قرَّرت تكسير تلك الشهور الثلاثة إلى قطع صغيرة وتكسير القطع الصغيرة إلى قطع أصغر وانتقاء أهونها وحكيه، ربما تُسقِط أحجار الدومينو بعضها ويصبح حكي كل شيء آخر سهلا بعد ذلك.

سوف أحكي كيف أنقذ طوني سوبرانو وساينفيلد وآخرين حياتي:

في تلك الفترة كنت قد خرجت لتوِّي من تجربة عملٍ مؤسفة. كنت قد استثمرت فيها -كعادتي- جهدا ووقتا ومشاعر وخيالا كثيرا، فصرت حطاما عندما قرر صاحب ذلك العمل تصفيته. وأنا من الجيل الأخير الذي لم يكن يعرف تماما معنى "الكارير" ولا أهمية اختياره وبناءه، فكنت أخرج من تجاربي تلك إلى صحراء يصفِّر فيها الريح. أقف في منتصف اللامكان أنظر إلى يميني ويساري فلا أجد شيئا.

غرقت في اكتئابٍ وعطلة طويلة نوعا حتى قررت أن أحاول استغلال آخر شيءٍ ظننت أني سوف ألجأ إليه:

عمل العائلة!

وعمل العائلة هنا لم يكن المافيا، ليس هذا هو البلوت تويست المنتظر. تمتلك عائلتي، في الواقع، مطعما.

لقد شهدت في هذا المكان أسوأ فترات حياتي، ربما يمكن القول أنه من صنع "السوء" في حياتي. كان -رحمه الله- يجبرني على العمل فيه منذ صغري، لا لشيء، سوى استخداما للآداة التي قرر أنه قد جلبها إلى هذا العالم من أجل هذا الغرض. تعرضت للضرب كثيرا أمام الناس فيه وتعرضت للسباب والإهانات. ورغم كل ما سبق، ليس هذا هو الجزء الأسوأ!

كان أسوأ جزء عندما قررت العودة إلى المكان الوحيد الذي كنت أهرب منه وأتمنى ألا أعود إليه أبدا.

ربما كانت تلك رغبة خفية في تجربة الطريقة "عبد الوهابية". ليس نسبة إلى الدعوة الوهابية، لكن نسبةً إلى عبد الوهاب عبد الغفور البرعي. لقد تصوَّرت، حسب تفسيري، وقتها، أنني ربما جربت كل الطرق عدا تلك الطريقة، وأنني ربما حاولت الخروج كثيرا ولم أحاول مرة واحدة العودة إلى الداخل. والمؤسف أن أبي لم يمسكني وقتها من خدودي عندما فاتحته في الطلب، بل قطَّب عن جبينه ولوى شفتيه.

خلال نحو أربعة شهور هي مدة استثماري هذا خسرت كل مدَّخراتي ووقتا وجهدا لم آتي بمثلهما قط!

كنت مخطئا تماما. مخطئا إلى درجة بشعة. مدفوعا بفكرة خيالية ونتيجة لم توجد سوى في ذهني وحدي.

940 جنيها هو الرقم الذي تبقّى معنا. 940 جنيها كل ما تبقى معنا بعد الإغلاق النهائي. كنت مطالبا بتسيير أمور البيت والبحث عن عمل والإنفاق من ذلك المبلغ على كل شيء حتى أمسك في يدي مرتب أول شهر في أي مكان.

أتذكر الرقم 15 كثيرا وكثيرا ما كنت أسخر به وسط زملائي عند طلبهم أطعمة بمبلغ أكبر من 15 جنيها. كان هذا الرقم الذي عشنا به كل يوم من أيامنا تلك، فلم يكن مسموحا أن تتخطّى مصاريفنا 15 جنيها يوميا. في تلك الفترة أيضا تشاجرنا معه كلنا، ألقى كل منا اللوم على الآخر، قلنا كل شيء حدث منذ الولادة حتى اللحظة، لقد انفجر كل شيء في تلك الفترة وكان واضحا جدا أن تفاقم الأحداث يشي بكارثة سوداء قريبة. كنا جميعا أشبه بما يحدث داخل جسده الذي عرفنا فيما بعد أن كل أعضاءه كانت تنحدر وكل شيء كان يأكل كل شيء.

في تلك الفترة عشت وأمي وأخي في حجرتنا، أقمنا فيها حياتنا وأكلنا فيها وشربنا. كنا نصحو فنأكل ونشاهد المسلسلات وننام بعد الظهيرة ونصحو ثانيةً نأكل ما تيسر أكله ونشاهد المسلسلات.

كنت مسؤولا في ذهني عن كل الأخطاء وعن محو كل الأخطاء. لكني لم أستطع أن أفعل هذا بسرعة كافية. الآن، عندما أكتب تلك الكلمات، يبدو كل هذا خيالا، وكأنه لم يحدث، تتلاحق الصور في رأسي بسرعة، أبدو فيها كممثل مسرحي ذو دورٍ ثانويّ، يدخل يقف في منتصف خشبة المسرح، يتلو سطره الوحيد ثم يخرج مسرعا.

لا أرى من تلك الفترة سواي جالسا أمام شاشة الكمبيوتر وبجواري والدتي وأخي وأمامنا ساينفيلد يجعلنا نضحك بعلو أصواتنا رغما عن كل شيء حولنا خارجنا كان أو داخلنا.
كان هذا وقت أنقذتني المسلسلات.

لم يكن هناك شيء في الخارج. لا مكان أو ناس أو وسيلة أو موضوع يمكن أن تفتح به حوارا. كنا جميعا في صدمة صامته عنوانها: كيف-وصل-بنا-الحال-إلى-هنا؟

كانت المسلسلات هي الطريقة الوحيدة للعيش إكلينيكيّا، لأنك، أحيانا، من اللازم أن تجد مكانا تذهب إليه، حتى لو كان هذا المكان مسلسل تلفزيوني.

كنت بائسا جدا، خاويا جدا، بحيث كانت "حلقة أخرى" تمثِّل هدفا عظيما. موقفا آخر لجورج كوستانزا، دَخلة أخرى لكريمر، حلم جديد لطوني. لم أكن لأستطيع الإستمرار لولاهم. كانت المسلسلات هي المهرب الذي استطعت تقديمه لأسرتي كواقع وهدف افتراضيين يمكن أن نلجأ لهم حتى أجد حلّا ما.

The Sopranos at satriale's

- ذا سوبرانوس بالذات، لأنه يسمح لي أن أكون فردا من العائلة. يدور آل سوبرانو حول عائلة مافيا مسيطرة وصراعاتها مع عائلات المافيا الأخرى وصراع أفراد العائلة الواحدة مع بعضهم البعض ومشاكل الأسرة الرئيسية في المسلسل، أسرة طوني سوبرانو. كالأب الروحي، ليس سوبرانو سوى عملا عن العائلة، يمكن بسهولة أن تنفض عنه القتل والمطاردات التي كانت قليلة في الواقع.

أستطيع بسهولة أن أفتح أي حلقة من حلقات المسلسل حتى أشعر على الفور أني كمسافرٍ عاد لتوِّه من سفره، ينظر إلى تفاصيل أشياء يألفها يشعر بحنين إليها، ثلاجة طوني، وساوس بولي، سيناريوهات كريستوفر، ولمَّة الشلَّة أمام ساتريالز.

ذا سوبرانوس هو المسلسل الوحيد الذي يمكن أن أتابعه، ليس من أجل ملاحقة حدث ما أو انتظار الكشف عن لغز.

Seinfeld at seinfeld's apartment

- ساينفيلد، لأنه العمل الذي كان يقتلني ضحكا لأنه كان يحكي عن لا شيء، ولا شيء هو ما كنت أملك، ولم أكن أريد عملا يلاحق علاقة صداقة أو علاقة رومانسية أو مسارا وظيفيّا. لقد تطرق ساينفيلد لكل ما لم يتطرق له الآخرين والعكس صحيح تماما.

هذا ولأنه "أفضل-سيتكوم-في-التاريخ". هكذا. أقولها ببطئٍ وبشكلٍ متقطِّع.

بعض الديون لا ترد، لكن يمكن أن نحكي عنها مرارا ومرارا وبطرقٍ مختلفة.

مصطفى اليماني


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أترك تعليق أو اضغط (Like) إذا أعجبك ما قرأته، وإذا لم ينل إعجابك، أخبرني: لماذا؟..
يمكنك الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني -أسفل صندوق التعليقات- لمتابعة الردود، وأرجو عدم وضع أي روابط دعائية في التعليقات.