‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترجمات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترجمات. إظهار كافة الرسائل
| 0 comments ]

"نحن في حقبة "التليفزيون المرموق"، بخيارات وجودة غير مسبوقين، فلماذا يشاهد الكثير منا مسلسلات التسعينيات الهزلية بلا توقُّف؟"

في الحلقة الإفتتاحية من مسلسل نيتفليكس الكارتونيّ الساخر "بوجاك هورسمان"، يلقي الفرس الثمل الذي يحمل الأسم ذاته خطابا عن "هورسِن أراوند Horsin Around"، مسلسل السيتكوم التفاؤليّ الذي جعل منه نجما في التسعينيات. يقول: "بالنسبة لكثيرٍ من الناس، ليست الحياة سوى ركلة واحدة طويلة قوية في الخصيتين، وأحيانا، عند عودتك إلى البيت من يوم طويل من الركل في الخصيتين، لا ترغب سوى في مشاهدة عرض عن أشخاص طيبين محبوبين، يحبون بعضهم البعض، حيث أيا كان ما يحدث، سوف يصبح كل شيء بخير في ختام الدقائق الثلاثين".

بوجاك هورسمان شيء نادر على نتفليكس، فهو: أصيل، ويحبه النقّاد، وذو شعبية جارفة. إنه في المرتبة رقم 15 ضمن عروض نيتفليكس الأكثر مشاهدة في الولايات المتحدة طبقا لمؤسسة التحليلات "Jumpshot" وهي أحد أفضل الأدلة لما هو شائع على منصة نيتفليكس، حيث لا تصدِر نيتفليكس إحصاءات.

لكن القي نظرة على تلك القائمة وستجد أنها تحتوي على "هورسن أراوند" أكثر من الموجود في بوجاك هورسمان. العرض الأكثر رواجا هو نسخة الولايات المتحدة من The office الذي عُرِض لتسعة مواسم على قناة NBC الأمريكية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. Friends، النموذج الأصلي لبرامج السيتكوم التفاؤلية في التسعينيات (بصرف النظر عن السياسة الجنسية غير الملائمة) هو الثاني من حيث الأكثر مشاهدة على نيتفليكس. هذا الأسبوع، زُعِم أن موظَّف سابق في شركة روبرت دينيرو للإنتاج قد شاهد 55 حلقة من المسلسل في فترة واحدة مدَّتها 4 أيام. لا عجب أن نيتفليكس قد دفعت 100 مليون دولار لشركة "وارنر ميديا WarnerMedia" لشراء حق عرض المسلسل في عام 2019.

أيضا ظهر كل من Gilmore Girls، Parks and Recreation، Arrested Development، و Frasier على رأس القائمة، وهي أكثر بروزا من مسلسلات نيتفليكس الأصلية مثل Stranger Things، House of Cards، أو The Crown الذي يُقال أنه اغلى برنامج تليفزيوني على الإطلاق.
يبدو أنه في هذا الوقت الذي يتميز بالإختيار والجودة غير المسبوقين، ما يُطلَق عليه "العصر الذهبي للتليفزيون المرموق"، لا يزال معظمنا يرغب في مشاهدة عروض مدَّتها نصف ساعة عن أشخاص محبوبين بشكلٍ غامض تنتهي أمورهم كلها على خير. عرض كلاسيكي من التسعينيات، لكن ربما من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ويفضَّل أن يكون شيئا رأيناه مرّات عديدة من قبل. مرحبا بكم في عصر تليفزيون اللاحدث.

يقول سياران الذي يبلغ من العمر 29 عاما ويعمل محلل سياسي في لندن: "على مدار الشهر الماضي أو نحو ذلك، كنت أشاهد أكبر قدر ممكن من حلقات Modern Family. لقد رأيت تلك الحلقات مرّات عديدة، لكنني لا أشعر بالرغبة في رؤية أي شيء آخر لأنني أحب الدفء والراحة التي يبعثها العرض. أظن أنني بدأت في إعادة مشاهدته عندما كنت أعاني أوقات سيئة في العمل. لقد أدمنت الدفء، ثم أدمنت مجرَّد الشعور بالرضا عن نفسي".

لوسي التي تبلغ 28 عاما وتعيش في لندن تشعر بالشيء ذاته تجاه Gilmore Girls. لم تحصل تلك الدراما الكوميدية المجنونة على تقييمات عالية عند بثَّها على تليفزيون الكابل الأمريكي بين عاميّ 2000 و2007، لكنها حقَّقت نجاحا كبيرا في عصر البثّ الرقميّ. تكرَّمَت نيتفليكس وكشفت قبل بضعة أعوام أنه كان عرضها الأكثر مشاهدة ضمن "سباقات المشاهدة binge-raced"، حيث استُهلِك بالكامل في غضون 24 ساعة من ظهوره على الخدمة. تقول لوسي: "أعيد مشاهدته عندما أكون مضغوطة باعتباره إلهاء ذو مستوى منخفض، ولكن أيضا للعودة إلى عوالِم مطمئنة ذات نتائج معروفة ومخاطر منخفضة".

تشغِّله، في بعض الأحيان، في الخلفية أثناء آداءها الأعمال المنزلية أو تدع نيتفليكس تشغِّله بشكلٍ تلقائي حتى تخلد للنوم. تقول لوسي أنها ماتزال تحب مشاهدة العروض المرموقة التي يتحدث عنها الجميع، لكنها تشبه إلى حدٍّ ما المأكولات الراقية مقارنة بمعكرونة Gilmore Girls. تقول: "أجد أن إعادة المشاهدة تبعث أكثر على الإرتياح، حيث لا أضطر للإنضمام إلى اللقطات الساخنة والمواضيع الإجتماعية التي تحيط بـ"المسلسل الجديد الكبير" أو القلق من حرق الأحداث. يمكنني خلق فقّاعة صغيرة وتجاهل ما حولي تماما".

غالبا ما لوحِظ أن بزوغ نيتفليكس، أمازون، Now TV، هولو، فيس بوك TV وغيرها قد فتح آفاقا للتليفزيون. ليس على الصنّاع القلق كثيرا بشأن تجنُّب التقييمات المتعثرة عندما يبدأ المشاهدون في فقدان الإهتمام. الآن وقد صار بإمكاننا إستهلاك المسلسلات وفقا لوتيرتنا الخاصة، فقد زاد بشكلٍ كبير تسامحنا مع المنحنيات السردية المعقَّدة، وطاقم الممثلين الضخم، والإستطرادات التي تستمر طوال الموسم. هناك الكثير من الأموال النقدية في وادي السليكون لتمويل البرامج أيضا. لكن بينما تركِّز محادثات حفلات العشاء على Russian Doll وBig Little Lies، تفكِّر المنصَّات بشكلٍ متزايد في الأشياء الأخرى: تليفزيون مضغ العلكة the chewing-gum TV، تليفزيون الذيل الطويل the long-tail TV، والعروض التي تضيء الغرفة بشكلٍ مُبهَم. قد تكون هذه حلقة عشوائية من مسلسل The Fresh Prince of Bel-Air التي تتحوَّل إلى حفلة طويلة في عطلة نهاية الأسبوع، أو قد تكون برنامج لتعليم الطهي من منتصف العقد الأول من القرن العشرين، محتوى إباحي ذو طابع ثقافي متوسِّطَي، أو مخلَّفات برامج التجميل التليفزيونية.

ماثيو بول، وهو أمريكي يعمل في رأس المال المُخاطِر ومعلِّق بارع على منصّات البثّ الرقمية، يدعو ذلك بـ"الحمولة". بالنسبة له، تعدّ فكرة أن "الجودة" هي التي تقود التحوُّل إلى البثّ الرقمي فكرة خاطئة. يقول: "أدَّت أكبر عروض نيتفليكس إلى زيادة عدد المشتركين وتميُّز علامتها التجارية، لكن معظم نجاحها يأتي من تمكين الجماهير من مشاهدة كمِّيات كبيرة من كل أنواع المحتوى بسهولة أينما كانوا، دون إخفاق، وبتكلفة منخفضة. لم تُستَخدَم نيتفليكس من أجل "أشياء غريبة Stranger Things"، ولكن من أجل الترفيه بشكلٍ عام".

الحمولة هي التزايد حيث تركِّز المنصَّات خوارزميّاتها وأموالها مع تصاعد حروب الإنتباه. من المحتمل أن تفقد نيتفليكس Friends والنسخة الأمريكية من The Office -وهي مجتمعة تزيد حلقاتها عن 400 حلقة من تليفزيون اللاحدث- حيث تُطلِق كلٍ من WarnerMedia وNBC، مالكيهما، منصّتها الخاصة في مرحلةٍ ما في العامين المقبلين. من المقرَّر أن تطلِق Apple خدمة بثّ في الخريف، وقد أنفقت 6 مليار دولار على برامج جديدة، بما في ذلك مسلسل دراميّ من بطولة ريس ويذرسبون وجينيفر أنيستون في دوريّ مضيفيّ برامج تليفزيونية متحاربين. لكن، رغم أن الجمهور يأتي من أجل الأشياء الجديدة اللامعة، فإنه يبقى من أجل الأشياء القديمة الموثوقة مثل ساينفيلد الذي نشبت من اجله حرب مزايدة. تُطلَق Disney+ في الخريف، ولأن ديزني تملك بيكسار، ستاروورز، وسلاسل أفلام مارفل، فإن هذا يمثل الكثير من "الحمولة".

يعتقد بول أن نيتفليكس كانت ستحقِّق مستويات مماثلة من النجاح مع Friends أو بدونه، لكنه يشدِّد على أن نيتفليكس تحظى بشعبية لذات الأسباب التي جعلت من Friends شعبيّا. الأمر أن مشاهدتها سهلة. يقول بول: "ابتكارات نيتفليكس المتعلِّقة بالعرض جعلت اكتشاف المحتوى ومشاهدته في غاية السهولة، حيث تلتهم أجيال كاملة مسلسلات مثل Friends أو Golden Girls لم يكونوا ليشاهدوها سوى خلال إعادات عرض متباعدة على شبكات تليفزيونية عشوائية". هناك شيء جديد بشأن مشاهدة موسم من Friends بترتيبٍ تسلسلي بدلا من خليط من التكرارات والحلقات الفائتة. في تلك الأثناء، يمكن لمسلسل شبه منسيّ مثل Frasier أن يجد حياة جديدة في عصر البثّ الرقميّ كمتحف لثقافة قديمة.

يمثِّل كل هذا تحدِّيا إضافيّا للقنوات التقليدية بناء على الإحصائيات الجديدة لهيئة Ofcom. يشاهد الشخص البريطاني العاديّ ما يقرب من خمس ساعات يوميا من الفيديو، على التليفزيون، اللابتوب، الهواتف الجوّالة، والوسائل الأخرى. يظلّ البثّ التليفزيوني هو المسيطر -نشاهد، في المتوسِّط، ساعتين و43 دقيقة يوميّا- لكن هناك وسائل أخرى تلحق بالركب، بما في ذلك المقاطع الصوتية (30 دقيقة)، خدمات البثّ الرقميّ (26 دقيقة) ويوتيوب بعيدا يوتيوب التليفزيون (34 دقيقة).

ربما لم نعد قانعين بالإكتفاء بالإعادات العشوائية على القنوات العادية، لكن وفقا لمجلس أبحاث الجمهور the Broadcasters’ Audience Research Board (Barb) الذي جمع بيانات ساعات المشاهدة منذ 1992، فلم يكن هذا أكثر بكثير مما اعتدنا مشاهدته. قبل 25 عاما، كنا مانزال نشاهد ما يقرب من 4 ساعات من البثّ التليفزيوني يوميا، بدون حساب الساتلايت والكابل، ولا الساعات التي انقضت في مشاهدة أشرطة الفيديو القديمة.

تبدو الأرقام الكبيرة أكثر منطقية عندما تضع في الإعتبار كيفية استخدام الناس لتليفزيوناتهم. في التسعينيات، كان تليفزيون عائلتي يعمل عادة من الساعة 4 مساءا حتى الساعة 11 مساءا كل يوم، ولا أظن أننا كنا غير عاديين. كانت أختي الصغيرة تشاهد الكارتون بعد المدرسة، وبعد ذلك كنت أسيطر وأختي الكبيرة على الريموت من أجل مشاهدة مسلسليّ Home and Away و Neighbours. كانت تعرض أخبار المساء المبكرة في غرفة فارغة أثناء تناولنا العشاء، ثم تجتمع العائلة بأكملها لمشاهدة Top of the Pops أو EastEnders. في كثيرٍ من الأحيان، كان يعمل التليفزيون في الخلفية أثناء إنجاز الأعمال المنزلية أو الواجبات المنزلية، أشبه قليلا بالراديو الذي أتركه شغّالا معظم الوقت في مطبخي الآن، أو مثل مراهقين كثيرين يضبطون اليوتيوبرز على وضعية التشغيل التلقائي في غرف نومهم.

كما يقول بول، فذلك النوع من استهلاك التليفزيون لم يتغيَّر حقا، بل أصبح أكثر كفاءة. يقول: "مايزال الملايين يشاهدون التليفزيون بهذه الطريقة، لكن مع نيتفليكس Netflix وهولو Hulu. تهتم المنصّات الرئيسية بشكلٍ متزايد بكيفية تسهيل ذلك. أطلقت هولو للتو ميزة "تشغيل حلقة عشوائية" ولدى Pluto TV جدول برمجة "يكرِّر البث" حيث يمكنك ضبطه وتصفحه كما تفعل مع التليفزيون تماما. مايزال الجمهور يحب هذا". يتمثَّل الإبتكار الرئيسي في أنه بينما اعتاد المذيعون اختيار مجموعة معينة من برامج اللاحدث التليفزيونية، فإننا نختارها بأنفسنا الآن، أشبه قليلا بشاشة التوقُّف التي نختارها لأجهزة اللابتوب الخاصة بنا. ما نريده في الغالب هو شيء ممتِع ويمكن التعرُّف عليه ولا يزعجنا كثيرا بينما نكتب تغريداتنا على تويتر، نزيل الجليد، نرد على رسائل واتس آب، نقارن بين أسعار التأمين على السيّارات وأي شيء آخر لأننا نعرض شاشة مزدوجة على أجهزة اللابتوب أو الجوّال.

سيتال البالغة من العمر 38 عاما وتعيش في شمال لندن تُدرِج Friends، The Big Bang Theory، Brooklyn 99، وTow and a Half Man، بالإضافة إلى برامج طهي نيجل سلاتر وريك شتاين ضمن برامجها التليفزيونية المفضلة في فئة اللاحدث. تقول: "أنها مألوفة، وهذا مصدر للراحة في حد ذاته. هناك جرعة كبيرة من النوستالجيا. وأنت تعرف ما سيحدث بها". أحيانا، نشاهد التليفزيون لأننا نريد أن نتحمس ونندهش، لكننا نشاهده في الأغلب لأننا نريد أن نكون هادئين ومبتهجين. شخصيا، أعاني قليلا من الواقع المرير في الوقت الحالي، وقد سئمت قليلا من الأعمال الدرامية الهائلة المرموقة التي لا تبدأ قوتها إلا في الموسم الثالث. دائما ما أكون حريصا على تلقّي ترشيحات بأعمال سيتكوم مدّتها 25 دقيقة لن أجد فيها إزعاجا أكثر من مسلسلات الجريمة الحقيقية.

هيلين سنيها جامبوناثان، وهي تعمل محلِّلَة سلوكية في شركة Canvas8 لأبحاث السوق، ترى أن مثل هذه الخيارات أمر لا مفرّ منه عندما يواجه كثير منا مستويات متزايدة من التوتُّر والقلق. تقول: "لا يمكن إنكار إغراء الإسترخاء. تسمح الوسائط سهلة الإستهلاك للأشخاص بالإسترخاء على نحوٍ ليس مستحيل بكل بساطة عند التركيز بشكلٍ كامل أو حتى خلال أحلام اليقظة. إنها توفِّر نفس تأثير الأعمال اليدوية أو التمرينات الرياضية، حيث يكون لدى وعيك شيء للتركيز عليه، بينما يستريح بقيتك حقّا". يمكن أن تسميها الغفلة الواعية.

لكن مع استثناءات قليلة، مثل Brooklyn 99 المرح بلا تعقيد، فإنهم لا ينتجون أعمال سيتكوم مثل Friends أو Horsin’ Around الآن. تعتقد جامبوناثان أن شعبية عروض التسعينيات والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين على وجه الخصوص تخاطب الوحدة المستوطنة بين الأجيال الشابة، والتوق إلى وقت أكثر براءة. تقول: "نحن غالبا ما نفكر في كبار السن الذين يعتمدون على التليفزيون من أجل الرفقة، لكن الشباب يفعل ذلك أيضا. تحتوي الكثير من البرامج التليفزيونية الأقل بهرجة على شخصيات مألوفة في قصص يمكننا الدخول إليها والخروج منها بسهولة، تماما كما نفعل مع الأصدقاء والعائلة في العالم الحقيقي".

بالنسبة لإيما، وهي مصمِّمَة فعاليات مستقلة من مدينة مارجيت، فإن عدم وجود تقلُّبات غير متوقَّعة هو ما يعيدها إلى برامجها المفضلة: The Fresh Prince of Bel-Air، Frasier، و Parks and Recreation. تقول: "لا يوجد شيء يمنحك تفكيرا عميقا هناك. برامج مثل Line of Duty أو Killing Eve ليست كذلك". لكن أكثر ما تلتزم بمشاهدته هو The Big Bang Theory الذي كان يساعدها على الوقوع في النوم كل ليلة على مدار السنوات الخمس الماضية. تقول إيما: "أنا أحد أولئك الأشخاص الغريبين الذين يجب أن يكون لديهم ضوضاء في الخلفية خلال عملهم. دائما ما أشغِّل التليفزيون والراديو على الأقل في الوقت ذاته. أشعر أن عقلي قد تكيَّف مع كل هذا المحفِّزات الإضافية. لن أستطيع الإسترخاء إذا كان هناك صمت. إنها طريقة لإبقاء عقلي مشغولا. هكذا، عندما أذهب للنوم، يجب أن أشاهد The Big Bang Theory على وضعية التكرار وإلا سأظل مستيقظة أفكر في أشياء".

تعرف إيما مدى سوء كل تلك البرامج السوداوية على تركيزك، ومدى أهمية منح عقلك استراحة من المعلومات. تتمنى أن تتمكن من الإستماع إلى بعض الموسيقى الكلاسيكية، أو حتى الجلوس في صمت بدلا من ذلك. تقول: "لكني الآن لا أستطيع النوم بدونها". تقدِّر أنها قد شاهدت كل حلقات المسلسل حوالي 20 مرَّة. وبالنظر إلى أن هناك 279 حلقة، فهذا كثير من The of Big Bang Theory.

نُشِر في صحيفة الجارديان في 21 أغسطس، 2019.
» تابع القراءة

| 0 comments ]

تشارلي كوفمان : لماذا كتبت أن تكون جون مالكوفيتش

 

تشارلي كوفمان: لماذا كتبت أن تكون جون مالكوفيتش

كانت وظيفتي الأولى ككاتب في مسلسل كوميدي اسمه "احصل على حياة". كان المسلسل في العموم محصورا في صوت مبتكريه؛ كريس إليوت وآدم ريسنيك اللذين قد عملا في برنامج ديفيد ليترمان. كانت نصوص آدم أفضل ما في المسلسل، وقد حاولنا جميعا الكتابة بصوت آدم. تلك كانت الوظيفة.

شعرت بالإحباط من النتائج، لكن خطر لي أنه لا يوجد حل طالما أن وظيفتي هي محاكاة صوت شخص آخر. كان الحل البديهي هو أن أجد وضعا أكتب فيه نفسي، وليس شخص آخر. كان العائق الرئيسي أمام هذا الوضع هو اعتقادك الراسخ أن "نفسك" هذه ليست مثيرة للاهتمام.

في بدايتي بالوظيفة، لم أكن أستطيع الحديث في غرفة الكتابة. كنت أعمل في مسلسلا كوميديا ولا أستطيع الحديث. لم يكن الأمر كما لو أنني اخترت الامتناع عن الحديث، لكني لم أكن أستطيع فتح فمي. لم تكن لتخرج منه الكلمات. وقد استمر هذا 6 أشهر حتى ظننت أني سوف أتعرض للطرد، وربما كان ينبغي أن أُطرَد.

كتبت أن تكون جون مالكوفيتش بينما كنت أنتظر موسم التوظيف لكُتّاب المسلسلات الكوميدية. كانت فكرتي هي كتابة سيناريو أستخدمه للحصول على وظيفة. كان لدي تلك الفكرة حيث يجد أحدهم مدخلا إلى رأس شخص ما، وكان لدي فكرة أخرى عن شخص ما لديه قصة عن شخص يحظى بعلاقة مع زميله في العمل، ولم تكن أيهما تؤدي إلى أي شيء، فقررت دمجهما.

حصد السيناريو ردود أفعال إيجابية حقا. بدأت أصبح على شيء من الشهرة. كان الناس يقرأونه ويخبرونني كم كان مسليا، يدعونني إلى اجتماعات، ثم يخبرونني أن أحدا لن يصنع الفيلم أبدا. حضرت حوالي 15 اجتماعا من هذا النوع، لذلك لم أكن أتوقع أن يُصنَع. ثم وصل إلى سبايك جونز، وكان سبايك في وضع يسمح له بصناعة فيلم. لم أكن أتوقع أن يصل الفيلم إلى أي شيء، أعتقد أن هذا كان حال سبايك أيضا. أتذكر عرض الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي، كان العرض الأول له. لم أكن مدعوا، لكن سبايك وكاميرون دياز وكاثرين كينر ذهبوا. كل ما حصلت عليه كان اتصالا هاتفيا يقول أن الفيلم لاقى إعجابا كبيرا، ثم كُتِبَت عنه كل تلك المقالات. كان شيئا مثيرا.

يعتبر السرد القصصي أمرا خطيرا بطبيعته. تذكَّر حدثا مؤلما في حياتك. فكِّر في كيفية خوضك له. الآن، فكِّر في طريقة حكيك إياه لأحدهم بعد عام. الآن، فكِّر في طريقة حكيك إياه للمرة المئة. إنه ليس نفس الشيء. يعتقد معظم الناس أن المنظور شيء جيد، فمن خلاله يمكنك اكتشاف منحنى الشخصيات، تطبيق صفة أخلاقية، يمكنك روايته بفهمٍ وسياق. لكن هذا المنظور ما هو إلا تحريف، إعادة بناء ذات معنى، ولا يحمل سوى القليل من التشابه مع الحدث الأصلي.
الشيء الآخر الذي يحدث هو التعديل. تكتشف أي جزء من القصة يؤدي عمله وأي جزء يجب تنميقه، أي جزء يجب التخلص منه. أنت تشكِّل قصتك. هدفك أن تكون قصة ممتعة. ينطبق هذا على قصة تُحكى في حفل عشاء وينطبق أيضا على القصص التى تُحكى من خلال الأفلام. لا تدع أحدا يخبرك ما هي القصة وما الذي يجب أن تتضمنه. اكتب نصّا غير قصصي على سبيل التجربة. سوف يكون لديه فرصة أن يكون مختلفا.

سأحكي لك قصة صغيرة تحوي شيئا سينمائيا بطبيعته. كنت أركض في الحي الذي أسكنه، وذات يوم، مررت برجلٍ كان يركض في الاتجاه الآخر. كان أكبر مني سنا ذو جسدٍ ضخم مليئا بالعضلات. كان يكدّ في ركضه ويلهث. كنت أنزل تلّا خفيف الانحدار وكان هو يصعده، فمرّ بي وقال: طبعا، لقد "انحدر" كل شيء بهذا الشكل. أحببت تلك النكتة. كانت طريقة تواصلنا بها، فترسَّخ في عقلي أن هذا رجلا رائعا وأنه قد صار صديقي الآن.

بعد أسابيع قليلة، مررت به ثانية، ففكرت: ها هو الرجل الرائع. بينما كنا نمر ببعضنا البعض، قال: طبعا، لقد "انحدر" كل شيء بهذا الشكل، ففكَّرت: يبدو أن لديه مخزونا، أنا لستُ مميّزا إلى هذا الحد، لقد قالها لأشخاص آخرين على الأرجح، ربما لا يتذكَّرني، لكن لا بأس. ضحكت، لكن هذه المرة كانت ضحكتي مصطنعة بعض الشيء.

ثم مررت به مرةً أخرى وقالها مرة أخرى. وكان هذه المرة ينزل التل بينما كنت أصعده، فلم تبدو النكتة منطقية حتى. وبدأ الأمر ينغصني لأني شعرت بالإحراج من أجله وفكَّرت أنه ربما يعاني شيئا. واستمر الأمر في الحدوث. لقد سمعتها سبع أو ثماني مرات على الأرجح، ثم بدأت في تجنّبه.

تعجبني فكرة أن القصة تتغيَّر بمرور الوقت رغم أن شيئا لم يتغيَّر من الخارج. ما تغيَّر يقبع داخل رأسي ويتعلَّق بإدراكي دور الشخصية التي أكتبها. ولا يمكن سرد القصة إلا في شكلٍ معيَّن. لا يمكن سردها من خلال الرسم. الأمر هو: أنه من المهم جدا أن يكون ما تمارسه خاصا بالوسيط الذي تصنعه، وأن تستخدم خصائص هذا الوسيط للقيام بالعمل. وإذا كنت لا تستطيع التفكير في سبب القيام بالعمل بهذه الطريقة، فلا داعي للقيام به.

تشارلي كوفمان
ترجمة مصطفى اليماني

• نشرت صحيفة الجارديان هذا المقتطف وهو من محاضرة ألقاها تشارلي كوفمان في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية للأفلام (بافتا) ومعهد الفيلم البريطاني.

• كان عنوان المقتطف الرئيسي هو: تشارلي كوفمان: كيف تكتب قصة، إلا أن صحيفة الجارديان قامت بتعديله ليتناسب مع محتوى المقتطف.
» تابع القراءة

| 0 comments ]

 


أن تتذكر ميلودي

جورج مارتن

ترجمة مصطفى اليماني

 

كان تيد واقفًا أمام المرآة يحلِق ذقنه عندما باغته جرس الباب، فأجفل لدرجة جعلته يجرح نفسه. كانت شقته تقع في الطابق الثاني والثلاثين، وقد اعتاد أن يمنحه جاك البوّاب إنذارٌ مُسبَق عند وجود أي زوّار محتملين. إذن، لابد أن الطارِق واحد من سُكّان البناية. إلا أن تيد لم يكن يعرف أيًّا منهم، ولم تتخطى علاقته بهم الابتسامات التي يتبادلها معهم في مصعد البناية.


صاح تيد: «أنا آتٍ»، وبوجهٍ متجهِّم جذب منشفةٍ ومسح الرغوة عن وجهه، ثم مسح جرحه بمنديلٍ ورقي، وأمام انعكاس وجهه في المرآة، علا صوته بالسب واللعن. كان يجب عليه أن يتواجد في المحكمة بعد ظهر اليوم. لو اتَّضَح أن الطارق واحد آخر من شهود يهوه -كالذي تخطَّى جاك البوَّاب الشهر الماضي- فإن وقتًا عصيبًا ينتظره بالتأكيد.


رنَّ الطارق الجرس مرةً أخرى، فصاح تيد: «أن أتٍ بحق الجحيم». مسح الدماء عن عنقه لمرةٍ أخيرة، ثم ألقى بالمِنديل في سلّة المهملات، واجتاز غُرفَة المعيشة بسرعة حتى وصل إلى الباب. ألقى نظرةً متمعِّنة من العين السحريَّة قبل أن يفتح، فتمتم أن: «اللعنة». قبل أن تتمكن من رن الجرس مرة أخرى، أزال تيد سلسلة الأمان وفتح الباب وهو يقول: «مرحبًا بكِ يا ميلودي».


قالت بابتسامةٍ شاحبة: «أهلًا يا تيد».


كانت تحمل حقيبة ثياب هي في واقع الأمر كيسٍ قماشي بالٍ نُقِش عليه مربّعات قبيحة ذات ألوانٍ حمراء وسوداء، بينما استُبدِل مقبضه المكسور بقطعة حبل. كان حالها يُرثى له في آخر لقاء جمعهما قبل ثلاث سنوات، لكنها تبدو أسوأ الآن، فملابسها –سروال قصير وتي شيرت يلفظ أنفاسه الأخيرة- كانت مجعَّدة وقذرة وتُبرِز مدى نحافتها، حتى أن ضلوعها كانت تظهر بوضوح من خلالها بينما بدت ساقيها كعيدان الإسباجيتي. أما شعرها الأشقر الخفيف فلا يبدو أنها غسلته مؤخرًا وكان وجهها أحمرًا ومنتفخًا كما لو أنها كانت تبكي، لكن هذا لم يكن مفاجئًا، كانت ميلودي تبكي دائمًا لسببٍ أو لآخر.


-«ألن تدعوني للدخول يا تيد؟».


أبدى تيد امتعاضًا. كان من المؤكد أنه لايريد دعوتها للدخول، فقد عَلِم من تجربة سابقة مدى صعوبة إخراجها مرة أخرى. لكنه لايستطيع تركها واقفة في الرواق مُمسِكة بحقيبتها، فرغم كل شيء –فكر تيد بغضب- كانت صديقة قديمة ومقرَّبة.


أومأ لها قائلًا: «بالطبع، تفضَّلي».


أخذ منها حقيبتها وأسندها جوار الباب، ثم قادها إلى المطبخ ووضع بعض الماء للغلي. قال وهو يحاول الحفاظ على صوته ودودًا: «يبدو أن كوبًا من القهوة يمكن أن يمثِّل فائدةً لكِ».


ابتسمت ميلودي مرةً أخرى وقالت: «أنا لا أشرب القهوة يا تيد، ألا تذكر؟ القهوة تضر بصحتك يا تيد، كنت أخبرك بهذا دائمًا، ألا تذكر؟».


نهضت عن طاولة المطبخ وبدأت تفتِّش ضلف مطبخه وهي تسأل: «أنا أحب الشيكولاتة الساخنة، فهل لديك أيٍ منها؟».


فقال: «أنا لا أشرب الشيكولاتة الساخنة، لا أشرب سوى الكثير من القهوة».


قالت: «لا يجب أن تشرب القهوة، فهي تضر بصحتك».


قال: «نعم. هل ترغبين في شرب العصير؟».


أومأت ميلودي قائلة: «لابأس».


صبَّ لها كوبًا من عصير البرتقال وأجلسها إلى طاولة المطبخ ثانيًة، ثم ألقم كوبًا ببعض القهوة بينما ينتظر غليان الماء. سألها: «إذن، ما الذي أتى بكِ إلى شيكاجو؟».


شرعت ميلودي في البكاء. استند تيد إلى الموقد ووقف يراقبها. كان بكائها مزعجًا وكانت الدموع التي تزرفها كثيرة جدًّا مقارنةً بشخص غالبًا مايبكي. لم ترفع وجهها حتى بدأ الماء في الغليان. صبَّ تيد بعض الماء في كوبه وقلَّب معه ملعقة من السكَّر. كان وجهها أشدَّ حُمَرة وأكثر انتفاخًا من ذي قبل. توجَّهت إليه بنظرات اللوم. قالت: «صارت أحوالي سيئةٌ جدًّا يا تيد. أحتاج للمساعدة. ليس لدي مكان أعيش فيه. فكرت أنني ربما أستطيع أن أمكث معك لفترة، فقد صارت أحوالي سيئة جدًّا».


قال تيد وهو يرشف من قهوته رشفاتٍ متمعِّنة: «آسفٌ لسماع ذلك يا ميلودي. يمكن أن تمكثي هنا أيامٌ قلائل –لو أردتِ- وليس أكثر، فظروفي لاتسمح بوجود شريكِ لي في السكن».


كانت دائمًا ما تُشعِره بأنه شخصٌ حقير، لكنه فكَّر أنه من الأفضل أن يكون صارمًا معها من البداية.


شرعت ميلودي في البكاء مرًة أخرى حينما ذكر كلمة "شريك السكن" وقالت وهي تنتحب: «كنت تقول في الماضي أنني شريكة سكن جيِّدة، كنًا نمرح سويًّا، ألا تذكُر؟ كنت صديقًا لي».


ترك تيد كوبه ونظر إلى ساعة المطبخ ثم قال: «ليس لدي متسع من الوقت للحديث عن الماضي الآن. كنت أحلِق عندما طرقتٍ الجرس. يجب أن أذهب إلى المكتب»، وتابع بوجهٍ عابس: «اشربي العصير وخُذي راحتكِ. سأذهب لأرتدي ملابسي». واستدار فجأة وتركها تنتحب أمام طاولة المطبخ.


في الحمّام، أنهى تيد حلاقة ذقنه واعتنى بجرحه جيِّدًا، وكان عقله مشغولًا بميلودي. كان يمكنه أن يُحزر من الآن أن هذا الموقف سيغدو أكثر تعقيدًا. كان يشعر بالأسف من أجلها –فقد كان حالها مُزرٍ وكانت تعيسة للغاية وليس لديها من تلجأ له- لكنه لن يسمح لها أن تُلقي بكل مشاكلها عليه. ليس هذه المرة. لقد فعلتها مرّات عديدة من قبل.


وقف تيد يحدِّق بحيرة في خزانة ملابسه داخل غرفة نومه لوقتٍ طويل قبل أن يختار الحُلَّة الرمادية. عقد ربطة عنقه بحرص أمام المرآة، فأزعجه جرحه. ثم تفقَّد حقيبته ليتأكَّد من أن كل أوراق قضية شركة "سينديو" موجودة، أومأ في رضى، وعاد إلى المطبخ.


كانت ميلودي واقفة أمام الموقِد تعد بعض الفطائر المُحلَّاة، فلمّا دَخَل، استدارت وارتسمت على شفتيها ابتسامةً فَرِحَة لدى رؤياه. سألته: «أتذكر فطائري المُحلَّاة يا تيد؟ كنت تحبها في الماضي، وخاصًة الفطائر المُحلَّاة بالتوت، أتذكر؟ لكني أعد فطائر عاديَّة الآن، لأني لم أجد لديك توت، ألا بأس بذلك؟».


تمتم تيد «يا إلهي»، ثم قال: «تبًّا يا ميلودي، من قال أن عليكِ إعداد أي شيء؟ لقد أخبرتكِ أنه يجب عليّ الذهاب إلى المكتب، وليس لديّ متسع من الوقت للأكل معكِ، فقد تأخَّرت بالفعل. أنا لا أتناول وجبة الإفطار على كل حال، فأنا أحاوِل خسارة بعض الوزن».


بدأت الدموع تقطِّر من عينيها مرةً أخرى: «لكن، لكن هذه فطائري المميَّزَة يا تيد. ماذا سأفعل بها؟ ماذا سأفعل؟».


قال تيد: «تناوليها، فإن زيادةً في الوزن يمكن أن تفيدك. يا إلهي، إن مظهركِ يبدو مُروِّعًا. كما لو أنكِ لم تتناولي طعامًا منذ شهر».


تغيَّرت ملامح وجه ميلودي حتى صار قبيحًا وقالت: «من المفترض أنك صديقي أيها اللقيط».


تنهَّد تيد وقال: «لا داعِ للغضب»، ثم نظر إلى ساعته وتابع: «انظري، لقد تأخرت خمسون دقيقة بالفعل ويجب علي الذهاب. تناولي أنتِ الفطائر واخلدي للنوم قليلًا. سوف أعود في حوالي السادسة، ويمكن أن نتناول العشاء سويًّا عندها ونتبادل الحديث، حسنٌ؟ أهذا ما تريدين؟».


قالت وهي تبدي ندمًا مفاجئًا: «سيكون هذا رائعًا، سيكون رائعًا حقًّا».

***

لمّا وصل تيد قال للسكرتير بنبرةٍ حادَّة: «أخبِر چيل أنني أريد رؤيتها في مكتبي حالًا، واجلب لنا بعض القهوة من فضلك. أنا فعلًا بحاجة لبعض القهوة».


-«حسنٌ».


أتت چيل بعد إحضار القهوة بدقائق قليلة. كانت وتيد زميلان في مكتب المحاماة ذاته. أشار لها بالجلوس وقدَّم لها أحد الكوبين وقال: «اجلسي. أريد إخباركِ أن موعد الليلة قد أُلغي، فهناك مشاكل تؤرقني».


قالت: «هذا ما يبدو عليك. ما الأمر؟».


قال: «صديقٌ قديم ظهر على عتبة بابي هذا الصباح».


رفعت چيل حاجبها وقالت: «وما المشكلة؟ يمكن أن يكون لمّ الشمل مُمتِعًا».


-«لا، ليس مع ميلودي».


قالت: «ميلودي؟ اسمٌ جميل. أهي عشيقة من الماضي يا تيد؟ أم أنه كان حب من طرف واحد؟".


قال: «لا، لم يكن الأمر هكذا».


-«أخبرني إذن كيف كان. أنت تعرف أني أحب التفاصيل الحميمة».


-«كنت وميلودي شريكين في السكن أيام الجامعة، ولم نكن وحدنا حتى لا تفسِّري الأمر بصورةٍ خاطئة. كنا أربعة. أنا وشاب يُدعى مايكل إنچلهارت، وميلودي وفتاة تُدعى آن كاي. نحن الأربعة تشاركنا بيتًا كبيرًا متهالكًا لمدَّة عامين، وكنا مجرَّد أصدقاء».


سألت جيل وقد بدا الشك على ملامحها: «أصدقاء؟».


فقال لها تيد بوجهٍ متجهِّم: «أصدقاء»، ثم تابع: «بحق الجحيم، لقد نمت مع ميلودي عِدَّة مرّات، وقد نِمت مع آن كذلك، وكلاهما مارس الجنس مع مايكل مرَّة أو مرّتان، لكن عندما كنا نفعل ذلك، كنا نفعله داخِل إطار الصداقة. هل تفهمين؟ كُنّا نمارِس حياتنا الرومانسِيَّة مع آخرين أغلب الوقت، كنا نحكي مشاكلنا لبعض ونتبادل النصائح ونبكي على أكتاف بعضنا. أعرف أن الأمر يبدو غريبًا، لكنها كانت السبعينات. كان لديّ شعرٌ يصل إلى خِصري. كان كل شيء غريب».


أخذ يحرِّك كوبه في دوائر صغيرة فتناثرت بقايا القهوة في أنحاء الكوب وقد بدا مستغرقًا في التأمُّل، ثم تابع: «كانت أيّامٌ جيِّدة كذلك. أيّام مميَّزة. أحيانًا أشعر بالأسف لأنها انقضت. كُنّا مقرِّبين من بعضنا البعض، مقرَّبين حقًّا. كنت أحب أولئك الأشخاص».


قالت جيل: «حاذِر وإلّا تملَّكتني الغيرة، فلم أكن وشريكي في السكن مقرِّبين إلى بعضنا البعض»، ثم ابتسمت وقالت: «ولكن ماذا جرى؟».


مطَّ تيد شفته السفلى وقال: «القصة المعتادة، لقد تخرَّجنا وفرَّقتنا الحياة. لا زلت أذكر الليلة الأخيرة التي قضيناها في البيت القديم. لقد دخَّنَّا الكثير من المخدرات وصار الوضع مضحكًا جدًّا، من ثم أقسمنا أن صداقتنا ستدوم للأبد، أننا لن نصبح غرباء مهما حدث، ولو احتاج أحدنا مساعدة، سيجد الثلاثة الآخرين سندًا له. ثم ختمنا العهد بـ.. بممارسة الجنس الجماعيّ».

 

ابتسمت جيل وقالت: «شيءٌ مؤثِّر. لم أكن أتخيًّل أنك تحمِل هذا الكمَّ من المشاعر».


تابع تيد قائلًا: «كل هذا لم يدم بالطبع، لقد حاولنا، لكن تغييرات كثيرة طرأت على الأشياء، فدخلت أنا كُلِّيَّة الحقوق على سبيل المثال وانتقلت إلى شيكاجو، أما مايكل فقد حصل على وظيفة في إحدى دور النشر في مدينة نيويورك وهو يعمل كمحرِّر الآن في راندوم هاوس للنشر، وقد تزوَّج ورُزِق بطفلين وانفصل عن زوجته. كنا نتبادل الرسائل، أما الآن فنكتفي بتبادل كروت التهنئة بعيد الكريسماس. أما آن فتعمل مُعلِّمَة وكان آخِر ماسمعته أنها تعيش في فينكس، لكن هذا كان قبل أربع أو خمسة أعوام. لم نَرُق لزوجها كثيرًا في المرَّة الوحيدة التي التقينا فيها جميعًا. لابد أن آن حكت له عن حفلة الجِنس الجماعي كما أعتقد».


-«وماذا عن ضيفتك؟».


تنهَّد قائلًا: «لقد تحوَّلت ميلودي إلى مشكلة. كانت رائعة في الكُلِّيَّة، كانت تتحلَّى بالجسارة والجمال، كان لديها روحٌ حُرَّة حقيقيَّة، لكنها لم تستطع الحفاظ على تلك الصفات فيما بعد. قضت عِدَّة سنوات في محاولة النجاح كرسَّامَة لكنها لم تكن جيِّدة بما يكفي ولم تُحرِز من تلك المحاولات أي شيء. ودخلت في عِدَّة علاقات لم ينتهي أيًّا منها على خير، ثم تزوَّجَت شاب بعد حوالي أسبوع من لقائه في حانةٍ للعُزّاب، وكانت زيجة فظيعة. كان يشرب حتى الثُمالَة ويوسعها ضربًا. استمرَّ هذا حوالي ستة أشهر، حتى طُلِّقت منه أخيرًا، إلا أنه استمرَّ في التردُّد عليها وضربها لمدَّة عام، حتى ارتدع أخيرًا. بعد ذلك، وقعت ميلودي فريسة للإدمان. قضت بعض الوقت في مصحَّة، وعندما خرجت، لم يبدو أن شيئًا قد تغيَّر. لم تستطع الاحتفاظ بوظيفة أو الابتعاد عن المخدِّرات، ولاتدوم علاقاتها أكثر من بضعة أسابيع. لقد تركت جسدها يهوى إلى الحضيض».


ومع آخر كلماته كان يهز رأسه في أسف.


زمَّت جيل شفتيها أسفًا: «يبدو أنها بحاجة للمساعدة».


اشتعل غضب تيد: «هل تظنين أني لا أعلم ذلك؟ هل تظنين أننا لم نحاول مساعدتها؟ يا إلهي. عندما كانت تحاول أن تصبح رسَّامة، دبَّر لها مايكل فرصة تصميم بعض الأغلفة لدار النشر التي كان يعمل بها. ولم تكتفي بتخطِّي مواعيد التسليم، بل دخلت في مشادة كلامية مع المدير الفنِّي، ما كاد يكلِّف مايكل وظيفته. أمّا عنِّي، فقد سافرت إلى كليفلاند وأتممت لها إجراءات الطلاق بشكلٍ مجّاني، وعدت بعد بضعة أشهر وقضيت بعض الوقت في محاولة إقناع الشرطة بحمايتها من زوجها السابق. واستضافتها آن في منزلها وقت لم يكن لديها مكان تأوى إليه وأدخلتها في برنامج لإعادة التأهيل، وفي المقابل، حاولت ميلودي إغواء صديقها الحميم، بحجة أنها كانت تريد مشاركته بينهما كما كانا يفعلان في الماضي. جميعنا أقرضها المال ولم تكن ترد أي شيء منه، وكنا نستمع إلى مشاكلها، وما أدراكِ والاستماع إلى مشاكلها. لفترة من الزمن، قبل سنواتٍ مضت، كانت تتَّصِل كل أسبوع، مكالمة على حساب المتلقِّي عادًة، تحكي فيها بعضًا من قصصها الحزينة الطازجة. كانت تبكي كثيرًا على الهاتِف. لو كان برنامج queen for a day  لايزال يُعرَض حتّى يومنا هذا، لكان حوَّل ميلودي إلى ظاهرة! ».


قالت جيل: «بدأت أفهم لِمَ لست فَرِحًا بزيارتها. ماذا ستفعل؟».


أجابها تيد قائلًا: «لا أعرف. لم يكن يجب علي تركها تدخل. في آخِر بضعة اتصالات لها، كنت أغلق الهاتِف في وجهها، وبدا أن هذا يؤتي ثماره جيِّدًا. كنت أشعر بالذنب في البداية، لكني تخطيت الأمر. إلا أن حالها بدا مثيرًا جدًّا للشفقة هذا الصباح، ما أفقدني القدرة على إيجاد طريقة لعدم استضافتها. أعتقد أني سأضطر للجوء إلى القسوة في النهاية وأنفجر فيها غضبًا. لن تفلح طريقة أخرى. سوف توجِّه لي الكثير من الاتهامات وتذكِّرني بالصداقة الجيِّدة التي كانت تجمعنا في الماضي والوعود التي قطعناها وتهدِّد بالانتحار. سوف تكون مواجهةً حافلة».


سألته جيل: «هل بإمكاني تقديم أي مساعدة؟».


فقال: «التقطي أشلائي بعد ذلك. من الجيِّد أن يكون لدى المرء شخص مقرَّب بعد مواجهاتٍ كهذه، ليخبره أنه ليس حقيرًا، حتى لو كان قد طرد لتوِّه واحدًا من أصدقاءه الأعزاء القدامى».

***

كان حاله مُزرِيًا في المحكمة بعد ظُهر ذلك اليوم، فقد كان عقله مشغولًا بميلودي، وكانت الاستراتيجيات التي غلبت على تفكيره تتمحور حول كيفية التخلُّص منها بأقل قدرٍ ممكن من الألم، بدلًا مما كان ينتويه. كانت ميلودي قد لعبت بأعصابه في أوقات عديدة في السابق، لكن تيد لم يكن ينوي تركها تستغلّه هذه المرة، أو تترك مشاعره حطامًا.


لمّا عاد إلى شقته حاملًا تحت ذراعه حقيبة تحوي طعامًا صينيًّا –وكان قد قرر أنه لايرغب في اصطحابها إلى أحد المطاعِم- وجد ميلودي تجلس عارية في وسط غرفة المعيشة وكانت تقهقه وتستنشق مسحوقًا أبيض اللون. نظرت بسعادة إلى تيد عندما دخل وقالت: «خُذ، لقد ابتعت بعض الكوكايين».


قال تيد: «يا إلهي»، ثم ترك الطعام الصيني وحقيبته وسار نحوها بخطواتٍ مسرعة وصاح فيها قائلًا: «لا أستطيع تصديقك. أنا محامٍ بحق المسيح، فهل تريدين إقصائي عن المهنة؟».


كانت ميلودي تضع الكوكايين فوق ورقة صغيرة مربَّعة، وكانت تستخدم ورقة مبرومة من فئة الدولار لاستنشاقه، ولمّا انتزع تيد كل هذا منها، شرعت في البكاء. دخل تيد إلى الحمّام وألقى كل شيء في ماء المرحاض المتدفِّق بما في ذلك الدولار، إلا أنه لم يكن دولارًا كما لاحظ والماء يجرفه بعيدًا عن الأنظار. كانت ورقة من فئة العشرون دولارًا، ما زاده غضبًا على غضب. وكانت ميلودي لاتزال تبكي عندما عاد إلى غرفة المعيشة.


قال: «توقفي عن البكاء، فأنا لا أريد سماع بكائك، وارتدي بعض الملابس»، ثم سألها لمّا خطر له شكٌ آخر: «من أين لك بالمال لشراء الكوكايين؟ أجيبيني؟».


انتزعت ميلودي صوتًا خجولًا من بين نشيجها وقالت: «لقد بعت بعض الأشياء. لم أظن أنك ستمانع. كان كوكايين من النوع الجيِّد». ثم أجفلت مبتعدةً عنه وهي تغطي وجهها بذراعها كما لو كان تيد ينوي ضربها.


لم يحتج تيد لسؤالها عن هوِيَّة مالك الأشياء التي باعتها، فقد كان يعرف، لأنها ارتكبت نفس الحيلة مع مايكل قبل سنوات، أو هذا ما سمعه على الأقل. تنهَّد تيد وكرر قائلًا: «ارتدي ملابسك. لقد أحضرت طعامًا صينيًّا».


لاحقًا، يمكن أن يحدِّد ما فُقِد ويهاتف شركة التأمين.


قالت ميلودي: «الطعام الصيني يضر بصحتك، فهو مليء بمكسِّبات الطعم التي يمكن أن تصيبك بالصداع ياتيد». لكنها وقفت على قدميها إذعانًا له –وكانت تترنَّح نوعًا- وذهبت إلى الحمَّام، ولمّا عادت بعد بضع دقائق كانت ترتدي قميصًا نسائيًّا خفيفًا بلا أكمام وسروالًا مهلهلًا من الجينز. لابد أنها استقرَّت قبل بضع سنوات على أن ارتداء الملابس الداخلية يضر بصحة المرء. هكذا فكر تيد.


تجاهل تيد ذِكرها لمكسِّبات الطعم وأحضر بعض الأطباق ليقدِّم الطعام الصيني على مائدة العشاء. كانت ميلودي وديعة بما فيه الكفاية وهي تأكل طعامها، وكانت تُغرِق كل شيء في صلصة الصويا. كانت تضحك على نكتةً خاصة كل بضع دقائق، ثم تعود إلى الجِدِّيَّة الشديدة وتواصل التهام طعامها. أضاءت ابتسامةً واسعةً وجهها عندما كسرت كعكة الحظ، فقالت بسعادة وهي تمرِّر له قصاصة الورق الصغيرة:


-«انظر يا تيد».


فقرأها تيد، وكانت تقول: «الأصدقاء القدامى هم أفضل أصدقاء».


تمتم تيد أن «تبًّا». لم يكن قد فتح كعكته حتى، فتسائلت ميلودي عن السبب قائلة: «يجب عليك أن تقرأ كعكتك يا تيد، فعدم قراءة كعكة الحظ يعود عليك بالحظ السيء».


قال وهو ينهض: «لا أريد قراءتها، سأذهب لأبدِّل تلك الحُلَّة. لا تفعلي أي شيء».


إلا أنها –بحلول عودته- كانت قد وضعت ألبومًا في جهاز التسجيل، فشعر تيد بالامتنان لأنها لم تقم ببيعه.


سألته: «هل تريد أن أرقص لك؟ هل تذكر حين كنت أرقص لك ومايكل؟ كان رقصًا مثيرًا بحق وكنت دائمًا ماتثني عليّ. كان بإمكاني أن أصبح راقصة إن أردت».


قامت ببضع خطوات في منتصف غرفة المعيشة، تعثَّرت وكادت تقع. كان مشهدًا عجيبًا.


قال تيد بكل مايملك من صرامة: «اجلسي يا ميلودي، يجب أن نتحدث»، فجلست.


ثم قال قبل أن يبدأ الكلام: «لاتبكي، هل تفهمين؟ أنا لا أريدكِ أن تبكي. لن نستطيع الحديث لو ظللتِ تبكين في كل مرَّة أحاول فيها قول أي شيء، ولو شرعتِ في البكاء ستنتهي هذه المحادثة».


أومأت ميلودي قائلة: «لن أبكي يا تيد. أنا أفضل حالًا الآن مما كنت عليه في الصباح، فأنا معك الآن، وأنت تُشعِرني بالتحسُّن».

 

-«أنتِ لستِ معي يا ميلودي، كُفِّي عن ذلك».


غرغرت عيناها بالدموع: «أنت صديقي يا تيد، أنت ومايكل وآن، أنتم أصدقائي المقرَّبون».


تنهَّد تيد: «ما مشكلتكِ يا ميلودي؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟».


قالت: «لقد فقدت وظيفتي يا تيد».

 

سألها: «وظيفة النادلة؟».


عندما رآها آخر مرة، قبل 3 أعوام، كانت تقوم على خدمة الزبائن في حانة بمدينة كنساس.


حدَّقَت به ميلودي في حيرة وقالت: «نادلة؟ لا يا تيد، كان هذا في الماضي، في مدينة كنساس، ألا تذكر؟».


قال: «أذكر جيِّدًا. عن أي وظيفة تتحدثين إذن؟».


قالت ميلودي: «كانت وظيفة حقيرة. وظيفة في مصنع بولاية آيوا في مدينة دي موين. دي موين مكان حقير بدوره. لقد طردوني لأنني تغيَّبت عن العمل. كنت أعاني من الإدمان كما تعلم، وكنت أحتاج إجازة لعدة أيام. كنت سأعود للعمل، لكنهم طردوني». بدا أنها على وشك البكاء مجددًا: «لم أحظى بوظيفة جيدة منذ زمنٍ بعيد يا تيد. كنت رسّامة، هل تذكر ذلك؟ أنت ومايكل وآن كنتم تعلِّقون رسوماتي في غرفكم. هل مازلت تحتفظ برسوماتي ياتيد؟».


قال كاذبًا: «أجل، بالطبع، أحتفظ بها في مكانٍ ما».


كان قد تخلَّص منها قبل سنوات، لأنها كانت تذكِّره بميلودي كثيرًا، وكانت ذكراها مؤلمة للغاية.


-«على كلٍ، لمّا فقدت وظيفتي، قال جوني أنني لم أعد أجني المال. جوني كان الشاب الذي أقيم معه. قال أنه لن يساعدني، وأن علي أن أحصل على وظيفةٍ ما، لكنني لم أفلح في ذلك. لقد حاولت يا تيد ولم أفلح. فتحدَّت جوني مع رجلٍ ما وأتى لي بوظيفة في صالون تدليك واصطحبني إلى هناك، لكن الصالون كان متدنِّي المستوى. لم أكن أريد أن أعمل في أي صالون تدليك يا تيد. كنت رسامة محترفة».


بدا أنها تنتظر منه تفاعلًا، فقال تيد: «أذكر ذلك يا ميلودي».


فأومأت مسترسلة: «ولمّا رفضت الوظيفة، طردني جوني، وصرت بلا ملجأ، ففكَّرت فيك وفي آن ومايكل. هل تذكر ليلتنا الأخيرة؟ عندما قلنا أن أيًا منا لو احتاج للمساعدة...»


قال تيد بنبرةٍ جافةٍ باردة: «أذكر يا ميلودي، ليس بقدرك، لكنني أذكر. أنتِ لم تعطي أحدنا فرصة النسيان، صحيح؟ لكن لندع هذا جانبًا. ماذا تريدين هذه المرة؟».


قالت: «أنت محامي يا تيد».


-«أجل».


قالت وأصابعها الطويلة النحيفة تنقر وجهها في توتُّر: «أعتقد أنك ربما تستطيع أن توفِّر لي وظيفةً. يمكن أن أعمل في السيكرتارية ربما، في مكتبك، وبهذا نعود معًا من جديد، كل يوم، كالأيام الخوالي. أو ربما...» أشرق وجهها بوضوح وهي تقول: «ربما يمكن أن أغدو واحدة من أولئك الذين يرسمون صورًا في قاعة المحكمة. مثل باتي هاريست وأمثالها ممن يظهرون على شاشة التلفزيون. يمكن أن أبلي حسنًا في مهنة كهذه».


قال تيد بأناة: «أولئك رسّامون يعملون لدى محطات التلفزيون، ولايوجد وظائف شاغرة في مكتبي. آسفٌ يا ميلودي. لا أستطيع أن أوفِّر وظيفة لك».


تلقَّت ميلودي ذلك الرد بهدوءٍ على نحوٍ مفاجئ: «حسنٌ ياتيد، أعتقد أنني أستطيع إيجاد وظيفة. سأعتمد على نفسي حتى أجد واحدة. فقط.. فقط اتركني أعيش هنا، حسنٌ؟ يمكن أن نتشارك السكن من جديد».


قال تيد: «يا إلهي».


استلقى في مقعده وعقد ذراعيه وقال بنبرةٍ باردة: «لا».


أبعدت ميلودي يديها عن وجهها وحدَّقت فيه بنظراتٍ مستعطِفة وقالت هامسة: «أرجوك يا تيد، أرجوك».


فكرَّر أن: «لا».


قالت: «أنت صديقي ياتيد. لقد وعدتني».


قال: «يمكن أن تمكثي هنا أسبوعًا وليس أكثر. لديّ حياتي الخاصة ياميلودي ومشاكلي الخاصة. لقد ظللت لسنوات أحاول معالجة مشاكلك الخاصة، كلنا حاولنا. ولكنك لاتجلبين سوى المشاكل. في الجامعة كنتِ مَرِحة، ولكنك لم تعودي كذلك. لقد ساعدتك مرارًا ومرارًا. ولازلت ترغبين في المزيد؟».


كان غضبه يتصاعد وهو يتحدّث. قال بلهجةٍ عنيفة: «لقد تغيرت أشياء ياميلودي وتغيَّر الناس. لا يُمكِن أن تلزميني للأبد بوعد أحمق قطعته وأنا واقع تحت تأثير المخدرات في الجامعة. أنا لست مسؤولًا عن حياتك. انضجي بحق الجحيم ولملمي شتات نفسك. لا أستطيع أن أفعل هذا عنك، ولقد سئمت من كل هرائك. حتى أني لا أطيق رؤيتك مجددًا ياميلودي، هل تعرفين ذلك؟».


بدأت تنتحب: «لا تقول هذا يا تيد. نحن أصدقاء. أنت صديقي المفضَّل. ولن أشعر بالوحدة ما دمت بجانبي أنت ومايكل وآن، ألا تفهم؟».


أثارت ميلودي غيظه، فقال: «أنت وحدك».


أصرَّت: «لا، لست وحيدة، بل لديّ أصدقائي المفضَّلين وسوف يساعدوني. أنت صديقي يا تيد».


قال: «كنت صديقكِ يا ميلودي».


حدَّقت فيه، شفتيها ترتجفان، لا تسعفهما الكلمات. للحظات اعتقد أن السد على وشك الإنفجار، أن ميلودي سوف تنهار أخيرًا وتبدأ إحدى وصلات البُكاء. ولكن تغييرًا طرأ على وجهها بدلًا من ذلك، فقد تجلَّى عليه شحوبٍ ملحوظ، وبدأت تلوي شفتيها ببطء، واتَّخَذَت ملامحها شكل قناعٍ فظيع من الغضب. كان الغضب يجعلها بشعة.


قالت: «أيها اللقيط».


لقد سلك تيد هذا الدرب من قبل. نهض عن الأريكة وسار نحو البار، وقال وهو يصب لنفسه القليل من شراب "تشيفاس ريجال" مع الثلج: «لا تبدئي. إن ألقيتِ أي شيء، سألقي بكِ في الخارج. هل فهمتِ يا ميلودي؟».


لكنها تابعت: «أنت لم تكن صديقًا لي أبدًا أيها الحثالة، لم يكن أحدكم صديقًا لي. لقد كذبت علي وجعلتني أثق بك وقمت باستغلالي. والآن، صرتم جميعًا رفيعي المقام وعظماء بينما أصبحت أنا لاشيء ولم تعد تريد أن تعرفني أو تساعدني. أنت لم تمد لي يد العون أبدًا».


ردَّ تيد: «لقد ساعدتك عدة مرات. أنت تدينين لي بما يقرب الألفي دولار حسبما أذكر».


قالت: «المال كل ما يهمك ايها اللقيط».


رشف تيد من كوبه ونظر لها مكفهِرًّا: «اذهبي إلى الجحيم».


كان وجهها قد شحب حتى ابيضَّ لونه عند هذه النقطة. صرخت فيه: «كان يمكن أن أذهب إليه إن كان هذا كل مايهمك. لقد أرسلت لك برقيَّة قبل عامين. أرسلتها لثلاثتكم. كنت بحاجة إليكم، كنت قد وعدت أنك سوف تأتي إن احتجت إليك، وعدتني بذلك ومارست الحب معي وكنت صديقي، لكني راسلتك ولم تأتي أيها اللقيط، لم يأتي أحدًا منكم».


كان تيد قد نسي أمر تلك البرقِيَّة، لكن الذكرى عادت إليه فجأة. كان قد قرأها عِدَّة مرّات قبل أن يمسك الهاتف ويتصل بمايكل الذي لم يكن متاحًا، فأعاد قراءة البرقِيَّة مرة أخيرة، ثم مزَّقَها وألقى بها في المرحاض. فكَّر وقتها أن أيٍ من الآخرين يمكن أن يذهب إليها هذه المرة. كان لديه قضية هامَّة، دعوى براءة اختراع تخص شركة أرجراث، ولم يكن ليخاطر بتفويتها. إلا أن البرقِيَّة كانت مفعمة باليأس، ما أشعره بالذنب لأسابيع، حتى تمكَّن أخيرًا من نسيان الأمر.


قال لها بنبرةٍ دفاعية غاضِبة: «كنت مشغولًا، كان لدي أشياء أكثر أهمِّيَّة من المجيء إليكِ وإمساك يدكِ خلال أزمة أخرى».


صرخت ميلودي: «كان الأمر رهيبًا. كنت بحاجة إليك، فتركتني وحيدة تمامًا. كدت أقتل نفسي».


-«لكنك لم تقتلي نفسكِ، أليس كذلك؟».


قالت: «كنت على وشك قتل نفسي، ولم تكن لتبدي اهتمامًا».


التهديد بالانتحار كان إحدى حيل ميلودي المفضلة، وقد واجه تيد تلك الحيلة مرات عديدة من قبل، لكنه قرر هذه المرة أنها لن تنطلي عليه. قال بهدوء: «كان يمكن أن تقتلي نفسك، ولم نكن لنبدي اهتمامًا على الأرجح. أظن أنك محقة تمامًا في هذا. ولربما مرَّت أسابيع وأنت تتعفَّنين قبل أن يجدك أحدهم، ولم نكن لنسمع بالخبر قبل مرور شهور، وأخيرًا، عندما يصلني الخبر، أظن أنني كنت سأشعر بالحزن لساعة أو اثنتين وأنا أتذكر ماضينا الجميل، لكني سأذهب لاحتساء الشراب بعدئذٍ أو الاتصال بصديقتي أو ماشابه، وسرعان ما سأنسى الأمر، ومن ثم سأنسى كل مايتعلق بك».


قالت ميلودي: «كنت لتشعر بالأسف».


فقال تيد: «لا»، ثم عاد إلى البار وصبَّ لنفسه جرعة أخرى من الشراب: «لا، لا أظن أنني كنت لأشعر بالحُزن. ليس في النهاية. ولن أشعر بالذنب أيضًا، لذا، ربما يجب أن تتوقفي عن التهديد بقتل نفسك يا ميلودي، لأن تلك الخدعة لم تعد تُجدي».


ذهب الغضب عن وجهها، أطلقت نشيجًا قصيرًا، قالت: «لا تتفوَّه بمثل هذه الأشياء يا تيد، أرجوك. أخبرني أنك كنت لتُبدي اهتمامًا، أنك كنت لتتذكرني».


إلا أنه كرَّر رفضه.


ما زاد من صعوبة المواجهة أنها كانت تجلس أمامه مثيرة للشفقة، مستضعفة، تنشج، بدلًا من إلقاء الاتهامات عليه. لكنه كان يجب أن ينتهي من أمرها للأبد ويُخلِّص حياته من تلك اللعنة.


قالت في خنوع: «سأرحل عن هنا غدًا، لن أزعجك، لكن أخبرني أنك تهتم لأمري ياتيد. أنك صديقي. أنك سوف تأتي إليّ إن احتجت مساعدتك».


-«لن آتي إليك يا ميلودي، هذا أمرٌ منتهي. ولا أريد أن أراكِ هنا مجددًا، ولا تتصلي بي أو ترسلي برقِيَّات، أيًّا كانت المشكلة التي تواجهك. هل تفهمين؟ أريدك خارج حياتي، وعندما ترحلين سأعمل على نسيانك بأسرع مايمكن، لأنك ذكرى سيئة لعينة يا امرأة».


صرخت ميلودي كما لو أنه ضربها: «لا! لاتقول ذلك، تذكرني، يجب أن تتذكرني. سأتركك لحالك، أعدك بذلك، لن أراك مجددًا، لكن قل أنك سوف تتذكرني»، ووقفت فجأة وهي تتابع: «سأرحل حالًا، إن أردت مني الرحيل، سأرحل. لكن مارس معي الحب أولًا ياتيد. من فضلك. أريد أن أمنحك شيء يذكرك بي».


وابتسمت ابتسامةً شهوانيةً صغيرة وبدأت تنزع قميصها الخفيف، فشعر تيد بالغُثيان.


ترك كوبه بعنف وقال: «أنتِ مخبولة. يجب أن تحصلي على مساعدة احترافية ياميلودي. لكنني لا أستطيع توفيرها لكِ ولن أتعامل مع مشاكلك مرةً أخرى. سأخرج للتمشية الآن. سأغيب عدة ساعات، ولا أريد رؤيتك هنا عند عودتي».


سار تيد نحو الباب بينما وقفت ميلودي تراقبه وقميصها بين يديها. بدا على ثدييها الصِغر والانكماش وكان هناك وشمًا على الثدي الأيسر لم يلاحظه من قبل. لم يكن يحمل في نفسه أي ذرَّة من الرغبة تجاهها. قالت وهي تنشج: «لم أرد سوى أن أمنحك شيئًا يذكرك بي».


وأغلق تيد الباب.

***

عاد تيد عند منتصف الليل يعاني آثار الثمالة، كان مزاجه عَكِرًا، وفي نيته كان يعتزم طلب البوليس لو أن ميلودي كانت لاتزال بالداخل ليضع حدًّا لها بشكلٍ نهائي. كان جاك البوَّاب جالسًا إلى مكتبه، فتوقَّف تيد وعنَّفه لأنه سمح لميلودي بالصعود صباح اليوم، إلا أن البوَّاب أنكر ذلك بشدة قائلًا:


-«لم يصعد أحد يا سيِّد سيريللي، أنا لا أسمح لأحد بالصعود دون تنبيهٍ مسبق، يجب أن تعي ذلك. أنني أعمل هنا منذ 6 سنوات، ولم أسمح لأحد بالصعود دون تنبيه الساكن».


لكن تيد ذكَّره بعضو طائفة شهود يهوه، فدخلا في مشادَّة كلامية.


في النهاية، سار تيد مبتعدًا واستقلّ المِصعد إلى الطابق الثاني والثلاثون.


كان هناك رسمًا مثبَّتًا إلى بابه.


رمقه في غضبٍ للحظات، ثم انتزعه. كان رسمًا كاريكاتوريًّا لميلودي. ليس ميلودي التي رآها اليوم، بل ميلودي التي كان يعرفها في الجامعة، ميلودي التي كانت تتحلَّى بالفِطنَة والمرح والجمال. عندما كانا شريكان في سكنٍ واحد، كانت ميلودي دائمًا ماتترك ملاحظاتها على هيئة رسمٍ كاريكاتوريٍ لنفسها. كان يشعر بالمفاجئة لأنها لاتزال تملك القدرة على رسم تلك الملاحظات بشكلٍ جيِّد. خلف الوجه، طَبَعَت رسالة:


«تركت لك شيئًا يذكِّرك بي».


تأمَّل تيد الرسم بضيق وهو يتساءل ما إذا كان يجب عليه الاحتفاظ به أم لا. أغضبه تردده. كوَّر الورقة بين يديه، وأخذ يعبث في سلسلة مفاتيحه، باحثًا عن مفتاح الشقة. لقد رحلت على الأقل، هكذا فكر، وربما للأبد. إن تركها للملاحظة يعني رحيلها. لقد تخلص منها لسنوات قادمة على الأقل.


دخل شقته، قذف بالورقة المكوَّرَة عبر الغرفة نحو سلة القمامة، وابتسم لمّا أصاب الهدف، وأطلق صيحة نصر بصوت عالٍ جرّاء آثار الخمر وشعوره بالرضى الذاتي. توجَّه إلى البار وبدأ يخلط شرابًا لنفسه.


لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام.


توقَّف تيد عن خفق شرابه وأصاخ السمع. أدرك أن الماء كان يجري. لقد تركت المياه مفتوحة في الحمّام.


قال: «يا إلهي»، ثم انتابه خاطر فظيع: ربما لم تغادر بعد كل شيء. ربما لاتزال في الحمّام، ربما هي تستحم أو ما شابه، ربما جن جنونها أو أنها تبكي بالداخل، أيًّا كان. صاح: «ميلودي! ».


لم يتلقّ إجابة. كان الماء يجري بالفعل، لايمكن أن يكون أي شيء آخر. إلا أنها لم تُجِبه.


صاح: «ألا تزالين هنا يا ميلودي، أجيبيني بحق الجحيم! ».


لاشيء سوى الصمت.


ترك شرابه وسار نحو الحمّام. كان الباب مغلقًا، فوقف تيد بالخارج. كان الماء يجري بالتأكيد. قال بصوتٍ عالٍ: «ميلودي، هل أنتِ بالداخل؟ ميلودي؟».


ولكن لا شيء. بدأ تيد يشعر بالخوف.


مد يده وحرَّك مِقبض الباب، فتحرك بسهولة بين يده. لم يكن الباب مغلقًا.


بالداخل، كان الحمَّام مليئًا بالبخار، بحيث جعل من الرؤية أمرٌ عسير، لكنه استطاع أن يتبيَّن أن ستارة حوض الاستحمام كانت مُسدَلَة. كانت مياه الدُشّ تجري بأقصى اندفاعٍ لها، ولابد أنها كانت تغلي، نظرًا لكمية البخار. تراجع تيد خطوتين وانتظر حتى يتبدَّد البخار، وفي تلك الأثناء قال بصوتٍ خافِت: «ميلودي» إلا أنه لم يتلقى أي رد.


بل كان رده: «تبًّا».


حاوَل ألّا يستحوِذ الخوف على قلبه. وقال لنفسه أنها كانت تتحدَّث عن الأمر فحسب، ولم تكن لتُقدِم عليه قط. كان قد قرأ أن الذين يتحدثون عن الأمر لايُقدِمون عليه قط. لم يكن لها غرض سوى تخويفه.


بخطوتين سريعتين توجَّه إلى حوض الاستحمام وجذب الستارة.


كانت هناك، محاطة بالبخار، تتدفَّق المياه فوق جسدها العاري. لم تكن ممدَّدَة في حوض الاستحمام، بل كانت جالسة، محشورة بين جانبيه قرب الصنبور، ويبدو عليها الصِغَر وتثير رؤياها الشفقة في النفوس. بدت وضعيتها أقرب إلى وضع شِبه جنيني. كانت مياه الدُشّ تتدفَّق عليها مباشرةً، على يديها. كانت قد شقَّت معصميها بشيفرة حلاقته وحاولت أن تبقيهما تحت المياه، لكن هذا لم يكن كافيًا، فقد صنعت شقوقًا عَرضِيَّة في أوردتها، والكل يعلم أن الطريقة الوحيدة لفعلها تكمن في صنع شقوقٍ طولِيَّة، فما كان منها إلا أن استخدمت الشيفرة في مكانٍ آخر، والآن، صار لديها فم إضافي، وكلا الفمَّين كانا يبتسما له. كان الدُشّ قد غسل أغلب الدماء، لم يكن هناك بقع في أي مكان، لكن الفم الثاني أسفل ذقنها كان لايزال أحمر اللون، يقطِّر دمًا، دمائًا كانت تسيل على صدرها، فوق وشم الوردة المرسوم على ثديها، ثديين تلقَّفتهما مياه الدُشّ، فغسلتهما. التصق شعرها بوجنتيها، فبدا رخوًا ورطبًا. كانت تبتسم، وبدت عليها سعادة غامرة. كان البخار يحوطها بالكامل. فكَّر أنها مكثت في هذه الوضعية لساعات، وأنها الآن نظيفة جدًّا.


أغلق تيد عينيه، فلم يُحدِث هذا فارقًا، كان لايزال يراها. كان يراها دائمًا.


فتحهما مجددًا، فكانت ميلودي لاتزال مبتسمة. مدَّ يده حولها وأغلق المياه، فابتل كُمّ قميصه.


عاد إلى حجرة المعيشة وهو يشعر بالخَدَر. ظلَّ يقول في نفسه: يا إلهي، يا إلهي، يجب أن أهاتف أحدًا، يجب أن أُبلِغ عن هذا، لا أستطيع التعامل مع هذا. قرر أخيرًا أن يطلب الشرطة. رفع سمّاعة الهاتف، وتصلَّب إصبعه فوق الأزرار في تردُّد. فكَّر أن البوليس لن يساعد، فطلب صديقته جيل.


عندما انتهى من حكي الأمر لها، خيَّم الصمت على الجانب الآخر من المُكالَمَة.


أخيرًا قالت: «يا إلهي، ياله من شيءٌ مروِّع. كيف يمكنني المساعدة؟».


قال: «تعالي فورًا».


وجد الشراب الذي كان يحضِّره لنفسه، فرشف منه رشفة متعجِّلة.

قالت جيل في تردُّد: «آاا، انظر ياتيد، أنا لست جيدة في التعامل مع الجثث، فلم لا تأتي أنت إلي؟ أنا لا أريد أن... حسنٌ، نظرًا لما حدث. لا أظن أنني سوف أستحِم في شقتك مرةً أخرى».


قال مصدومًا: «جيل، أنا بحاجة لأي شخص على الفور»، ثم ضحك ضحكة خائفة غير واثقة.


فكرَّرَت: «فلتأتي أنت إليّ».


قال: «لا أستطيع تركها بالداخل فحسب».


قالت: «لاتتركها إذن، اتَّصِل بالشرطة، وسوف يأخذونها بعيدًا. ولتأتي بعد ذلك».


فطلب تيد الشرطة.

***

قال شرطي الدورية بينما وقف شريكه متجهِّمًا: «لو كانت هذه فكرتك عن المزاح، فالأمر غير مضحك».


قال تيد: «مزحة؟».


قال شرطي الدورية: «لايوجد شيء في حمّامك. ينبغي علي اصطحابك لقسم الشرطة».


قال تيد في شك: «لايوجد شيء في الحمَّام؟».


قال شريك الشرطي: «اتركه لحاله يا سام. ألا ترى أنه ثمل؟».


غادرهما تيد مُسرِعًا إلى الحمَّام.


كان حوض الاستحمام خاويًا. انحنى وتحسَّس قاعه، فكان جافًّا تمام الجفاف. لكن كُمَّيه كانا رَطبين كما هما. أخذ يُردِّد: «لا، لا». عاد مسرعًا إلى غرفة المعيشة. كان الشرطِيَّين يراقباه في اندهاش. لقد اختفت حقيبتها التي كانت إلى جوار الباب، والأطباق وُضِعت جميعها في غسَّالة الصحون، فلا مجال لمعرفة إذا كان أحدهم قد أعدَّ فطائر مُحلَّاة أم لا. قلب تيد سَلَة القِمامة رأسًا على عقب، أفرغ كل محتوياتها فوق أريكته، وبدأ يعبث في الأوراق.


قال الشرطي الأكبر: «اذهب إلى الفراش واخلد إلى النوم يا أستاذ، سوف تشعر بالتحسُّن في الصباح».


ثم قال شريكه: «هيّا بنا»، ورحلا تاركين تيد يعبث في الأوراق. لايوجد رسم كاريكاتوري على الإطلاق.


طوَّح تيد سَلَّة القمامة الفارغة عبر الغرفة، فاصطدمت بالجدار مصدِرةً صوت رنين معدني.


واستقل تيد سيارة أجرة إلى منزل جيل.

***

استيقظ في الفِراش فجأة قرب الفجر، بقلب يخفق بقوة، وحلقٍ جافّ.


تمتمت جيل من بين نومها. ناداها وهو يهزها: «جيل».


رمقته قائلة: «ماذا؟ كم الساعة الآن ياتيد؟ ما مشكلتك؟»، ثم نهضت وهي تسحب الغطاء لتستر نفسها.


-«ألم تسمعيه؟».


سألته: «سمعت ماذا؟».


قال وهو يضحك: «مياه الدُشّ في حمَّامك تجري».


حلق ذقنه في المطبخ هذا الصباح، رغم أنه لايحوي أي مرايا. جرح نفسه مرتين. آلمته مثانته، لكنه لم يخطو عتبة باب الحمّام، حتى مع تأكيدات جيل المتكررة بأن الدش كان مغلقًا. كان بإمكانه سماع صوته. أنتَظَر حتى وصل إلى المكتب. لم يكن هناك دُشًّا في الحمام هناك.


لكن جيل نظرت إليه باستغراب.

***

داخل حجرته، في مكتب المحاماة، أفرغ تيد سطح مكتبه وحاول أن يفكِّر. كان محاميًا، وكان بالضرورة يملك عقلًا تحليليًّا جيِّدًا، فحاول حل اللُغز. لم يشرب سوى كثيرٍ من القهوة.


كان يفكِّر: لايوجد حقيبة، جاك البوّاب لم يرها، لايوجد جٌثَّة، لايوجد رسم كاريكاتوري، لم يرها أحد، كان حوض الاستحمام جافًّا، لايوجد أطباق. كان مخمورًا لكنه لم يكن يحتسي الخمر طيلة اليوم، لم يشرب سوى لاحقًا، بعد الغداء. لايمكن أن يكون الخمر هو السبب، لايمكن. لايوجد رسم كاريكاتوري. كان هو الوحيد الذي رآها. لايوجد رسم كاريكاتوري. لقد تركت لك شيئًا يذكرك بي. كان قد رمى برقيَّتها في المرحاض، قبل عامين. لايوجد شيء في حوض الاستحمام.


التقط سمّاعة هاتفه وقال: «بيلي، احضِر لي إحدى صحف دي موين بولاية أيوا، أي صحيفة، لايهم».

عندما حصل على رقم الهاتف أخيرًا وأجرى الاتصال، لم يجد تجاوبًا من مديرة المشرحة التي كانت تأبى إعطاءه أي معلومات، لكنها لانت عندما أخبرها أنه يعمل محاميًا ويحتاج المعلومات من أجل قضية هامة.


كان النعي قصيرًا جدًّا. لقد عرَّفَ ميلودي فقط باعتبارها "موظَّفَة بصالة تدليك"، وأنها انتحرت في الحمَّام.


قال تيد: «شكرًا لكِ»، ثم وضع سمَّاعة الهاتف.


جلس لوقت طويل يحدِّق من نافذته. كان لديه إطلالة جيِّدة؛ فقد كان بإمكانة رؤية البحيرة وبرج شركة ستاندرد أويل المرتفع. فكَّر في الخطوة التالية. كان يشعر بكتلة خوفٍ سميكة في أحشاءه.


يستطيع أن يأخذ اليوم إجازة ويذهب إلى منزله، لكن مياه الدُشّ سوف تجري في المنزل، وعاجلًا أو آجلًا سوف يشعر بالحاجة إلى دخول الحمّام.


يمكن أن يعود إلى منزل جيل، لو قبلته جيل في منزلها. كان يبدو عليها الفتور بعد ليلة أمس. لقد رشَّحت له طبيبًا نفسِيًّا وهما في سيارة الأجرة التي استقلاها للذهاب إلى المكتب. لم تكن تفهمه. لن يفهمه أحد... إلا إذا... التقط سماعة الهاتف مجددًا وهو يبحث في ملفاته القديمة. لم يجد بطاقة أو رقم هاتف، لقد أصبحوا غرباء عن بعضهم بالفعل. اتصل ببيلي ثانيةً: «صِلني بدار راندوم هاوس للنشر في مدينة نيويورك، أريد أن أستحدث مع الأستاذ مايكل إنجلهارت. أنه يعمل محرِّرًا هناك».


لكن عندما اتصل بالدار أخيرًا، أتاه صوتًا غريبًا وبعيدًا: «سيِّد سيريللي؟ هل أنت صديقًا لمايكل أو واحد من كُتّابه؟».


كان حلق تيد جافًّا: «أنا صديقًا له. هل هو متواجد؟ أريد التحدث إليه. إن الأمر.. ضروري».


قال الصوت: «أخشى أن مايكل لم يعد معنا. لقد أصيب بانهيارٍ عصبيّ قبل أقل من أسبوع».


-«هل هو...؟ ».


-«لم يمت. لقد اصطحبوه إلى المستشفى كما أعتقد. ربما يمكن أن أجد لك رقمها».


قال تيد: «لا، كان هذا كافيًا»، ثم أغلق الهاتف.


لم يكن لدى دليل "فينيكس" رقم هاتف باسم آن كاي. فكَّر أن هذا منطقي بالطبع، فهي متزوجة الآن. حاول أن يتذكر اسم عائلة زوجها، فتطلب منه التذكر وقت طويل. كان اسمًا بولنديًّا. أخيرًا تذكر الاسم.


لم يكن يتوقع أن يجدها في المنزل، فقد كان يومًا مدرسيًّا رغم كل شيء، لكن شخصًا رفع السماعة عند الرنة الثالثة.


قال: «مرحبًا، أهذا أنتِ يا آن؟ أنا تيد، أحدثك من شيكاجو. يجب أن أتحدث معك يا آن. الأمر متعلِّق بميلودي. أحتاج مساعدتك يا آن». كان يتحدث بأنفاسٍ متقطعة.


سمع ضحكة تصدر عن الطرف الآخر: «آن ليست هنا الآن ياتيد»، قالت ميلودي: «لقد ذهبت إلى المدرسة، ثم ستذهب لزيارة زوجها بعد ذلك. لقد انفصلا كما تعلم. لكنها وعدت أن تعود عند الثامنة».


-«ميلودي؟».


-«لا أعرف إن كان يمكن أن أثق بها بالطبع، فلم يكن أيًا منكم جيِّدًا في حفظ وعوده. لكن ربما تعود يا تيد. آمل أن تعود..


أريد أن أترك لها شيئًا يذكرها بي».

 

جورج مارتن - 1981

ترجمة مصطفى اليماني

» تابع القراءة