| 0 التعليقات ]

ماسٌ ولآلئ: حكاية خرافية

نيل جايمان
ترجمة مصطفى اليماني
نيل جايمان

كان يا مكان، في سالف العصر والأوان، في زمن جابت أرضه الأشجار ورقصت في سمائه النجوم، كان هناك فتاة وافت والدتها المَنِيَّة، فأتت إلى البيت سيدة –بصحبة ابنتها- صارت للفتاة أُمًّا جديدة بعدما تزوجت والدها، لكن سرعان ما لحق الوالد بزوجته الأولى، تاركًا وراءه ابنته.

كانت الأم الجديدة تكره الفتاة وتعاملها بقسوة، ودائمًا ماكانت تفضِّل ابنتها التي لم تكن سوى فتاة كسولة ووَقِحَة. ذات يوم، أعطت زَوجَة الأب الفتاة –ذات الثمانية عشرة عامًا- عشرين دولارًا لتشتري لها المخدرات، وحذّرْتها: «لا تتلكَّئي في الطريق».

أخذت الفتاة النقود، ووضعت تُفَّاحَة في حقيبتها، لأن الطريق كان طويل، وخرجت من البيت وسارت حتى نهاية الشارع، حيث يبدأ الجانب السيء من البلدة.

رأت الفتاة كلبًا مقيَّدًا إلى عامود إنارة، كان يلهث مرهقًا من حرارة الجو، فقالت الفتاة: «يالك من مِسكين»، وأعطته الماء ليروي ظمأه.

في البناية، كان المِصعد معطَّلًا كالعادة، فصعدت الدرج، وفي منتصف الطريق، رأت عاهرة ذات وجهٍ مُتَوَرِّم وعينين صفراوين تحدقان في الفتاة. أخرجت الفتاة التفاحة من حقيبتها ومنحتها للعاهرة وهي تقول: «تفضَّلي».

تابعت الفتاة حتى وصلت إلى طابق الديلر وطرقت الباب ثلاث طرقات. فتح الديلر الباب ونظر إليها في صمت، فأرته ورقة العشرين دولار، ثم قالت: «انظر إلى حالة هذا المكان»، وأسرعت إلى الداخل وهي تقول: «ألا تنظِّف هذا المكان إطلاقًا؟ أين أدوات التنظيف؟».

هَزَّ الديلر كتفيه بلا مبالاة، ثم أشار إلى خزانة، فتحتها الفتاة فوجدت مِقَشَّة وخِرْقَة، وسرعان ماغمرت الأرضية بالمياه وبدأت تنظيف المكان، ولمّا انتهت قالت: «اعطِني ماترغب به والدتي».

دخل الديلر إلى غرفة النوم وعاد بكيسٍ بلاستيكي. وضعت الفتاة الكيس داخل حقيبتها وغادرت الشقة لتنزل الدرج.

قالت العاهرة: «كانت التفاحة طيبة المذاق ياسيدتي، لكني أتألَّم بشدة، فهل لديكِ مايخفف عني الألم؟».

قالت الفتاة: «لقد اشتريت مامعي من أجل والدتي».

-«من فضلكِ؟».

-«يالكِ من مسكينة».

ترددت الفتاة في البداية، ثم منحت العاهرة الكيس، وقالت: «أنا واثقة أن والدتي ستتفهم الأمر».

غادَرْت البناية، ولمّا مرَّت بالكلب قال لها: «لجمالك ألَقٌ كالماس أيتها الفتاة».

عادت إلى البيت. سألتها والدتها التي كانت تنتظر في الصالة: «أين المخدرات؟».

فقالت الفتاة: «أنا آسفة»، فتساقط الماس من شفتيها، وتدحرج على الأرض.

صفعتها زوجة أباها.

تألَّمت الفتاة، تلوَّنت وجنتها بحُمرَة الألم القانية، وسقطت من فمها ياقوتة.

جثت زوجة أباها على ركبتيها وشرعت في التقاط الجواهر وهي تقول: «رائع. هل قمتِ بسرقتهم؟».

كانت الفتاة خائفة من التحدُّث، فهزَّت رأسها في صمت.

-«هل تحملين في فمكِ المزيد؟».

اكتفت الفتاة بهزَّ رأسها ثانيًة، وأطبقت فمها.

قامت زوجة الأب بقَرص الفتاة في ذراعها الرقيق بكل قوتها، وأخذت تقرص حتى رقرقت عينيّ الفتاة بالدمع، لكن الفتاة –رغم ذلك- التزمت الصمت، فقامت زوجة الأب بحبسها في غرفة نومها عديمة النوافذ، حتى لاتستطيع أن تهرب.

أخذت المرأة الماس والياقوت إلى محل (آل) للرهونات وبيع السلاح، فمنحها آل 500 دولار دون أن يطرح أسئلة عن مصدر المجوهرات، وعند عودتها، أرسلت ابنتها الأخرى لتشتري لها المخدرات.

كانت الفتاة أنانِيَّة، فقد رأت الكلب يلهث تحت الشمس، ولمّا اطمئنَّت لقيده الذي يعجزه عن ملاحقتها، قامت بركله. مرَّت أمام العاهرة الواقفة على الدرج، وصلت لشقة الديلر وطرقت الباب، فتح الديلر الباب وتطلَّع إليها، فمنحته النقود في صمت. قالت لها العاهرة وهي تهبط الدرج: «من فضلكِ...؟ »، لكن الفتاة لم تتمهَّل حتى.

قالت لها العاهرة: «يالك من عاهرة! ».

وقال لها الكلب لمّا مرَّت أمامه فوق الرصيف: «يالكِ من أفعى».

أخرجت الفتاة المخدرات لمّا عادت إلى البيت، ثم فتحت فمها لتقول لوالدتها «تفضَّلي»، لكن ضفدعًا صغيرًا زاهي الألوان انزلق من فمها بدلًا من الكلمات. انزلق من فمها إلى ذراعها ومنه إلى الجدار، حيث تشبَّت وأخذ يحدِّق فيهما بلاحراك.

قالت الفتاة: «يا إلهي. هذا شيء يثير الاشمئزاز»، فانزلق من فمها خمسة ضفادع أخرى، وثعبان صغير الحجم ذو حلقات ملونة بالأحمر والأسود والأصفر.

قالت الفتاة: «ثعبان بألوان سوداء وحمراء، أهو ثعبان سام؟» ومع الكلمات توالى انزلاق الكائنات: ثلاثة ضفادع ذات ألوان زاهيات، وعلجوم عملاق، وثعبان أبيض اللون صغير الحجم، وأفعى صغيرة من فصيلة الإجوانا.

لم تكن والدتها تخشى الثعابين أو أي شيء آخر، فركلت الثعبان الملون، فقام بلدغ ساقها. صرخت المرأة وارتجف جسدها، وصرخت من بعدها ابنتها، صرخة طويلة مدوِّيَّة خرجت من فمها على هيئة أفعى يافعة من فصيلة البايثونات.

سمعت الفتاة الأولى –وكان اسمها أماندا- الصرخات التي حل من بعدها الصمت، لكنها كانت عاجزة عن اكتشاف ماكان يجري.

طرقت الباب، فلم يستجب أحد، ولم ينبس أحد بكلمه. كانت أصوات الحفيف هي الشيء الوحيد الذي تناهى إلى مسمعها، أصوات بدت وكأن شيء عملاق بلا سيقان يزحف فوق البساط.

عندما شعرت أماندا بتوقٍ شديد إلى الكلمات، شرعت في الحديث قائلة:

-«أنتِ لم يمسسكِ أحدٌ بَعْدُ يا عروس السُكُون، يا ابنة الكِتْمانِ والزَّمَنِ الخَامِل بالتبنِّي(1)».

وتابعت الحديث رغم أن الكلمات كانت تخنقها:

-«الجَمَالُ حقيقة، والحقيقة جَمَال. هذا كل ماتعرفه على الأرض، وكل ما تحتاج أن تعرف(2)...».

تدحرجت ياقوتة أخيرة ذات لونٍ أزرق فوق الأرضية الخشبية لغرفة أماندا.

ثم حلَّ صمتٌ مُطبَق.

 
من مجموعة Trigger Warning القصصية

(1)، (2): سطريّ الحوار الأخيرين من قصيدة "أنشودة عن جَرَّة إغريقِيَّة" للشاعر چون كيتس.


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أترك تعليق أو اضغط (Like) إذا أعجبك ما قرأته، وإذا لم ينل إعجابك، أخبرني: لماذا؟..
يمكنك الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني -أسفل صندوق التعليقات- لمتابعة الردود، وأرجو عدم وضع أي روابط دعائية في التعليقات.